الاختراع


سمير عطاالله
النهار
18102017

“إن بلداً مثل هذا يمكن أن يصبح اليوم بلاد الوعد 

لو ان العناية الإلهية تعطيه شعباً وتوفر له سياسة

الراحة والحرية”.

لامارتين

بعد مائة عام، لا يزال النقاش حول “لبنان الكبير” قائماً: مرة بالمحبة، ومرة بالازدراء، ومرة باستعادة الدعابات التاريخية في مناقشات البطريرك الحويك وكليمنصو، الصحافي الذي اصبح “نمر فرنسا”.

ترددت في دخول النقاش، لأنه مجرد نقاش آخر لن يغير في مواقف أو قناعات أحد. وجميعها غير مهمة لأنها لا تغير سطراً من التاريخ، ولا زيحاً من الجغرافيا. لكن طبيعة الجدل الذي لم يتوقف منذ مائة عام، تطرح سؤالاً وجدانياً قومياً على مستوى العالم: كم يجب أن يكون عمر الوطن لكي يصبح وطناً مستقلاً؟ الأميركيون لا يزالون يقولون إنهم اشتروا ألاسكا من الروس، ولويزيانا من الفرنسيين، وفي مرحلة ما، كانت منطقة المحيط الهادي وأفريقيا برمتها خاضعة للاستعمار البريطاني، والفرنسي، والألماني، والهولندي، والبلجيكي، والإسباني، والبرتغالي، كما كان الجزء الأكبر من آسيا محتلاً، وبعض اوروبا، من الاستعمار التركي. حتى أسوج والدانمارك كانت لهما مستعمراتهما، عندما كان العالم لا يزال منقسماً بين ضعفاء واقوياء.

القوى الكبرى هي التي رسمت العالم كما نعرفه اليوم، لغايات سياسية واقتصادية، واستناداً إلى وقائع اجتماعية. باستثناء فلسطين، حيث أزيل وطن لإقامة آخر، الباقي كان مزارع ومنابت “طبيعية”. ولأن هذه المنطقة كانت في الماضي أرض امبراطوريات وفتوحات، أصبحت بعد زوالها وانحسارها أرض أعراق وإثنيات ولغات ولهجات، وخصوصاً في تركيا نفسها، التي حاول كمال اتاتورك تقليمها بقسوة من أجل أن يضمن بقاءها، ولكن ها هو صندوق “باندورا” يهبّ اليوم من جديد.

طعنت الدول الكبرى في شرعية الدول الصغرى بعد ترتيبات سايكس – بيكو. الفلسطينيون رفضوا، حتى “حرب الفدائيين” عام 1970، الاعتراف بالاردن الذي اغتالوا ملكه، عبدالله، العام 1951. والعراق رفض الاعتراف بشرعية الكويت ومضى حتى الى احتلالها واعلانها المحافظة التاسعة عشرة.

لبنان، لم يبق أحد لم يطعن فيه. في المرة الأولى دخله الجيش السوري بدعوة من قوى مسيحية مأزومة في مواجهة عسكرية مع الفصائل الفلسطينية، وفي المرة الثانية أبلغ عن دخوله بعد انتشاره في بيروت. وفي الحالتين كانت الاستباحة حقاً شرعياً لدولة غير شرعية. أو “كياناً” في لغة الشرعيين!

كتب الاستاذ جهاد الزين (14 ت 1): “لبنان اختراع رائع، وسنحتفل بمئوية غورو”. ذكّرني المقال الممتع بفيلم “فاني”  للمسرحي الفرنسي مارسيل بانيول. قصة صبية من مرسيليا (كما في كل ثلاثية بانيول) يتزوجها رجل مسن ميسور، ويعشقها أحد فتيان الميناء. تحمل وتلد، وبعد سنين يتشاجر المسن والفتى على ابوة الإبن: الفتى يقول هذا صلبي، والمسن يقول هذه رعايتي وحناني ومحبتي.

مؤسف ان يثار الجدل حول شرعية لبنان بالطريقة التي أثير بها، وخصوصاً في هذه المرحلة. فالحقيقة أنه لولا لقطاء العرب، لكان الملايين منا على سائر أبواب العالم. مليونا سوري في لبنان، ومليونا فلسطيني وعراقي وسوري في الأردن. وأما دولة الكويت، بالمقارنة مع دولة العراق، فاذكروا فقط غنائية بدر شاكر السياب:

“الريح تصرخ بي عراق / والموج يعوِّل بي عراق، عراق، ليس سوى عراق”.

وقد مات كبير شعراء العراق منذ العصر العباسي، على سرير حديد في مستشفى “الصباح” في الكويت، المحافظة التاسعة عشرة، في ولاية عبد الكريم قاسم وصدام حسين!

لم يُطعن لبنان في شرعيته فحسب، بل طُعن في شرفه ايضاً. فهو ليس سوى نوادٍ ليلية بين الأزقة المظلمة. لكن هذا القول يتجاهل أضواء الجادة الكبرى : جادة الجامعات والمعاهد ومراكز الفكر وحركات التراث، إضافة إلى ما سمّاه المؤرخ الشيوعي أرِك هوبسباوم، تيارات التحديث التي انبثقت من هذا الحوض المتوسطي كما خرج منه في العصور القديمة تيّارات التعليم والتجارة وحروب هنيبعل.

قد يعتذر المرء من التاريخ، لكن الجغرافيا حالة لا يمكن الاعتذار عنها. وفي هذه الجغرافيا الصغيرة، قبل غورو وبعده، مدّ حضاري بقي صامداً على رغم جميع المِحَن الداخلية أو الاقليمية. “اختراع” يتعثر على الدوام ويصطدم بالمبالغين في ازدرائه، ويفتقد دائماً رؤية موضوعية لطاقاته ومعوّقاته، وينسى الذين يعتبرونه مجرد كيانٍ طُفيلي في الأمة، أن من هذه الفسحة الصغيرة صدرت التيارات القومية، وفيها انتعش الصراع الفكري، وفي ملاذها نَعُمت الموجات الأدبية والعطاءات والمواهب بحرّية النمو ورحابة الانتشار. وربما كانت مساهمة لبنان في العصر الثقافي، الثانية مباشرة بعد مصر، التي بلغ تعدادها 100,4 مليون نسمة. ولم يقتصر العطاء الثقافي على لبنان المقيم، فقد لعب لبنان المهاجر دوراً استثنائياً في حياة مصر، ادباً وفناً. وفي المهجر البعيد لمع نجوم العربية كالذهب في آفاق جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمه، وشفيق معلوف. وكان هناك على الهامش شيء من “الكباريه” ايضاً حيث سيطرت بديعة مصابني حقبة كاملة على أضواء نجوم المسرح الغنائي في مصر. وقد وصفها الاسبوع الماضي كاتب “الاهرام” ابرهيم السَودَني بأنها أجمل امرأة وقعت عليها عينه طوال عمره.

تعذر على الاختراع أن يصبح دولة في ظل التناوب على الرفض الذي ينتهي بالعشق. السنة فالدروز فالشيعة. ولأن أرزته تشمخ عالياً، فقد انزلها البعض الى حجم قرنبيطة. وطالما احرق علمها أو ذوت في غابة من الاعلام الأخرى. لكن الرومانسيين الاوروبيين ظلوا يسمون هذه البقعة “بلاد الأرز” وهم يقبلون عليها من لامارتين الى ارنست رينان إلى الليدي ستانهوب.

العالم الخارجي أيضاً نظر إليه كاختراع نادر عندما رأى سيدة تدعى نظيرة جنبلاط تتزعم سياساته في القرن التاسع عشر. وهو اختراع يبث الفرح أيضاً. ومن ملايين مصر تخرج الكوكب الازلي أم كلثوم، فتطلع من الربى الصغيرة فيروز. وإلى ديار امارة الشعر يذهب شاعر مجهول يدعى بشارة الخوري لكي يشارك في رثاء سعد زغلول، فتقف له مصر إذ ينشدها:

“قالوا دهت مصر دهياء فقلت لهم

هل غيَّض النيل أم هل زلزل الهرم

قالوا أشد وأدهى، قلت ويحَكُم

إذن لقد مات سعد وانطوى العلمُ

ذلك هو “الاختراع”. فإذ تنتقل امارة الشعر من مصر، يرثها الأخطل الصغير الذي رثا شوقي قائلاً:

آلهةُ الشعر قامت عن ميامنها

وربة النثر قامت عن مياسرها

ممَّ يشكو هذا الاختراع الذي يكون فيه من الشعراء واللغويين في النصف الاول من القرن الماضي عدد ما في سائر البلدان؟ وإذ يدخل النصف الثاني، يبدأ الشعراء العرب بالغناء من تحت ظلّه: أحمد الصافي النجفي، وأدونيس، ومحمد الماغوط، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، ومحمود درويش وسائر السرب الذي جاء وغرَّد.

هذا لم يكن اختراع الجنرال غورو. هذا اختراع هذه الفوضى العبقرية البائسة التي تلمع، لكنها لا تحكم. عبقرية انانية تياهة تحب السلطة وتعبد إلهها، كثيرة السقوط، كثيرة النهوض، ذيلها أمامها لا وراءها. هي التي دللت الشعر فسمته “قرادية”، وهي اطلعت بطرس البستاني وعبدالله العلايلي وصبحي الصالح، فطلع سعيد عقل يطالب “باللغا اللبنانيي”. انها خاصية الاختراع المسجلة براءته: تكون الفصحى طوعك مثل آمة، فنطلب الركوع للعامية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*