الإنسان الأخير

 حبيب معلوف
الأخبار
11082017

حول قضية تجاوز البصمة البيئية وعدم حفظ حقوق الأجيال القادمة وقلة الأخلاق التي كتبنا عنها الأسبوع الماضي، علّقت صديقة من مؤسسي حزب البيئة بأنّ هذا الطرح فيه الكثير من المثالية وسألت: من يفكر أو يهتم بالأجيال القادمة؟

وهو سؤال في مكانه فعلاً ويعبر عن المأزق الحالي، مأزق الإنسان الحالي تحديداً. فالذي يعيش يومه لا يلتفت إلى الما بعد، البعيد والغامض وغير الموجود أصلاً… والذي قد لا يأتي أبداً. الإنسان الذي يعيش يومه لا ينظر إلى الوراء ولا إلى المستقبل… وليس لديه مثل وقيم عليا تحدّد له مسار حياته.
كما أن الإنسان الذي يعيش يومه ليس هو الإنسان القلق وغير المطمئن والذي يخاف الموت بسبب الحروب أو قلة الشعور بالأمان فحسب… بل هو الإنسان العملي (البراغماتي) الذي يتبنى قواعد الفكر العملي، ولا يكترث لما قبل، ولا للتاريخ ولا للفكر المجرّد، ولا علاقة له بكل منظومة القيم المرتبطة بالتاريخ وبذاكرة الشعوب وتجاربها الماضية أيضاً.
قيم الإنسان العملي، المعلوماتي الإلكتروني، العالمي على ما يبدو، مختلفة تماماً عن قيم الإنسان القديم. من يعتقد أن في المعلومات السريعة زيادة (في المعرفة) ولو وهمية غير الذي كان يعتقد أن “في الإعادة إفادة”.
قيم الإنسان الحالي هي قيم المتفلت وغير قيم الإنسان القديم المرتبط. لهذا من السهل على الإنسان الحديث التخلص من ملابسه وتغييرها ورميها، بعكس ذاك المتمسك والمرتبط بكسائه وأغراضه كجسمه.
إنسان “الرمي” غير إنسان “الرتي”. المجدّد غير الممدّد. من يفتخر بالتغيير والتجديد غير المفتخر بالضيان والديمومة. ثم نستغرب ونسأل من أين مصادر أزمة تراكم النفايات؟!
قيم الإنسان العملي تقوم على “النفعية”، بوصفها غاية ووسيلة لتحقيق السعادة الفردية، وعلى اعتبار أنه بتحقيق سعادة كل فرد، يتحقق النفع العام. إلا أن هذا “العام”، سرعان ما تبيّن أنه يتعلق بجماعات أو طبقات معينة دون غيرها، أو بالنوع الإنساني دون غيره من الأنواع، وهذا ما يفسر استمرار النزاعات والحروب والتدهور الكبير الحاصل في بيئة الأرض ومواردها الذي بينه التقرير الأخير عن البصمة البيئية.
فإذا كانت الفلسفة النفعية تعتبر أن الحقيقة هي في مدى منفعتها للإنسان، وفي مدى فعاليتها وفعلها ونجاحها وتأمينها الشبع الإنساني (النفسي والمادي)، وأن المعرفة هي وسيلة في خدمة الفعل (أكثر مما هي في خدمة العقل) وأن لا قيمة للمعرفة إلا في مدى فعاليتها ونفعيتها (كما يفهمها تماماً أرباب السوق والمستهلكون المساكون) وأنه لم يعد من قيمة لأي شيء بذاته… فكيف نستغرب اليوم إذا غرقنا في نفاياتنا واستنزفنا الموارد ولوّثنا أو دمرنا أسس الحياة من تربة وماء وهواء؟
فعندما تصبح الموارد غنيمة وننزع عنها أيّ قيمة ذاتية (لكي لا نقول قدسيتها) من ضمن نظام بيئي متكامل… فماذا كنا ننتظر؟
إنها مشكلة الإنسان “الأخير” عندما اعتقد أنه يجب أن يكون عملياً (وعلمياً) وبإمكانه العيش من دون قيم ومثل عليا ومن دون ذاكرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*