الإعلام ينتصر لنفسه…”المعارضة” تستيقظ؟

5 كانون الثاني 2018
النهار

النائب بطرس حرب والاعلامي مارسيل غانم ومعتصمون أمام سرايا بعبدا أمس. (مروان عساف)

لم تكن وقفة التضامن أمس مع “المؤسسة اللبنانية للارسال” والاعلامي الزميل مارسيل غانم أمام سرايا بعبدا سوى انذار صارم وشديد التعبير “لبعض” السلطة السياسية يفترض ان تكون تلقفت مغزاه ومضامينه من ان أي انزلاق نحو تقييد الاعلام أو حرية التعبير سيرتب تداعيات خطيرة على البلاد ولن يعود بالمصلحة على أحد. والمشهد التضامني الواسع تحت أمطار غزيرة لم تردع المتضامنين عن الحضور الى مكان الاعتصام في توقيت مثول غانم أمام قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان نقولا منصور، شكل حدثاً داخلياً من حيث تجسيد ارادة اعلامية وسياسية وثقافية واجتماعية واسعة للدفاع بقوة استباقية واضحة عن محاولة استهداف الاعلام من خلال قضية غانم التي أثارت منذ نشوئها مخاوف من نزعة سلطوية “تأديبية” و”اقتصاصية” لا تقف عند حدود اللغط القانوني والمهني الذي واكب الادعاء على غانم خارج إطار محكمة المطبوعات ولقضية مشكوك في جدواها القانونية، بل تمددت نحو مخاوف سياسية تجسدت في اتساع شريحة المشاركة السياسية في الاعتصام أمس. اذ لم يكن مشهداً عابراً ان تعود مفارقة لافتة الى الضوء في ظل اجتماع الكثير من شرائح 14 آذار التي تشرذمت تحت وطأة التطورات والتسويات منذ أكثر من سنة واذا بها تلتقي عفوياً أمس تحت جنح مسألة مبدئية خطيرة تمس بحريات الاعلام والتعبير. وكان الى جانب الشخصيات من قوى وأحزاب ومستقلين في 14 آذار الحزب التقدمي الاشتراكي وكذلك ممثل لـ”المردة” وسواهما من أحزاب وشخصيات بما شكل واقعياً النموذج المعارض بشدة لأي اتجاهات قمعية أو ضاغطة على الاعلام وبما يفترض ان يشكل الرسالة المقروءة بكل وضوح حيال أي استهانة بايقاظ كوابيس انتهاك حقوق التعبير والاعلام في لبنان.

في أي حال خلصت واقعة مثول غانم أمام قاضي التحقيق الى تاجيل الجلسة الى 2 شباط المقبل واشادة وكيل غانم النائب بطرس حرب بموقف القاضي منصور لجهة قبوله مذكرة الدفوع الشكلية “اذ انه تجاوز بموقفه هذا الاملاءات السياسية التي حاولت السلطة فرضها على مسار العدالة والتي تهدف الى قمع الحريات العامة وكم أفواه الاحرار” على حد قوله. كما ان البعد الاوسع للقضية عده حرب في اطار “حماية حرية ابداء الرأي ومنع السلطة من ترهيب المسؤولين السياسيين والاعلاميين والمواطنين باستدعاءات ومذكرات شبيهة بتلك التي تصدر في الانظمة الديكتاتورية”.

مجلس الوزراء: “القوات”
وسط هذه الأجواء، لم تبق قضية حرية الاعلام خارج مجلس الوزراء، إذ تطرق اليها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون نافياً أي استهداف للاعلام ولكن بقيت أزمة مراسيم الاقدميات والترقيات في الجيش خارج قاعة المجلس، بحرص واضح من أطراف الأزمة على تحييد الحكومة، الا أنها طرحت في اجتماعين بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء سعد الحريري قبل الجلسة وبعدها. وعلم أن الرئيس الحريري لم يتمكن من تسجيل أي خرق لا في موقف بعبدا المتمسكة بنفاذ مرسوم الأقدميات وبعدم الغائه، ولا بموقف عين التينة المتمسكة بتوقيع وزير المال على المرسوم. واثر لقائه الرئيس عون بعد الجلسة اكتفى الحريري بالقول: “إن ازمة المرسوم هي قيد المعالجة”. واجتمع الرئيس الحريري بعد الجلسة مع الوزير علي حسن خليل الذي قال إن أي جديد لم يسجّل في موضوع الازمة، نافياً أن يكون وزراء “أمل” في صدد اتخاذ أي موقف يتعلق بمشاركتهم في الحكومة والدليل حضورهم الجلسة وعدم اثارتهم الملف. وقال: “لو طرح الموضوع لكنا شرحنا موقفنا بالتفصيل”. وأشار عدد من الوزراء الى أن الأزمة أصبحت سياسية ومقاربتها يفترض ان تكون في السياسة.

وعلمت “النهار” ان نائب رئيس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني أثار باسم حزب “القوات اللبنانية” في الجلسة دخول عناصر عسكرية غير لبنانية إلى لبنان “بما يهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي والاستثماري وينتهك السيادة ويضرب أسس الدولة ومرتكزاتها”، وتساءل عن نتائج التحقيقات التي كان طلبها رئيس الحكومة لمعرفة كيفية دخول هؤلاء، وأكد ان الجيش اللبناني وحده المسؤول عن الشؤون العسكرية في لبنان، ولا يجوز إطلاقاً الاستهانة بوقع هذه التجاوزات والانتهاكات على الاقتصاد والاستثمار وهيبة الدولة وحضورها ودورها.

كذلك رفض وزير الشؤون الاجتماعية بيار بو عاصي “كل محاولات اختزال الدولة في لبنان”، وقال: “صحيح إن النأي بالنفس لا يتعلق بالمواجهة مع إسرائيل، ولكن هذا لا يعني إطلاقاً انه يحق لأي طرف التفرد”. وذكّر بالبيان الوزاري لجهة حصرية الدولة ودورها، قائلاً: “ان المواقف والممارسات التي شهدها البلد في الآونة الأخيرة تهدد الاستقرار وتنتهك السيادة، من كلام السيد حسن نصرالله عن فتح الحدود أمام آلاف المقاتلين السوريين والعراقيين واليمنيين والإيرانيين والأفغانيين، إلى السياحة المقاومتية مع الخزعلي وأبو العباس”، وحذر من “ان استمرار هذا الانحراف يهدد الوضع اللبناني ويعرضه لمخاطر أمنية، ودعا إلى الالتزام الفعلي لسياسة النأي بالنفس.

وفيما أفاد بوعاصي بعد الجلسة أن الوزيرين محمد فنيش وعلي قانصوه أوضحا ان السيد نصرالله لم يقصد بكلامه استدعاء مقاتلين إنما قد يكون هذا جزءاً من الرد في حال تعرض لبنان لاعتداء، نفى قانصوه وفنيش ما نقله بو عاصي. وقال فنيش: “لم يقل أحد بحرب مفتوحة او بدعوة الى حدود مفتوحة، والسيّد قال إذا شنت اسرائيل حرباً فهذه طبيعتها ونواياها، وهي المعتدية. فماذا نفعل فيما لو اعتدت هل نستنجد بترامب مثلاً؟” وعن موضوع الخزعلي، قال: “الدولة تقوم بتحقيق ونحن لا مانع لدينا بذلك”.

وتعليقاً على الاعتصام التضامني الذي أقيم أمام سرايا بعبدا تضامناً مع “المؤسسة اللبنانية للارسال”، بادر رئيس الجمهورية الى طرح موضوع الحريات، واعتبر أن “ثمة حملة مركزة تقول إن الحريات في خطر ولا سيما منها الحرية الاعلامية “.وكرّر ما قاله في بكركي متسائلاً: “أين هم الصحافيون أو رجال الفكر الموجودون في السجون؟ من يحاول المساس بالحريات؟”. ورأى أن “هناك من يسعى الى استغلال هذا الموضوع، وليس هناك أي مؤسسة اعلامية مستهدفة حتى يقال إن الحريات الاعلامية في خطر”.

وشرح أن القضاء تحرك للتحقيق في قضية معينة ويجب علينا أن نحترم القضاء الذي بإمكانه أن يستجوب أياً كان كشاهد.

وخلص الى القول: “أنا حريص على موضوع الحريات بقدر حرصي على تطبيق القانون. هذه هي حدود المسألة كلها وليس أكثر من ذلك”.

وأكد رئيس الوزراء من خارج كلمته المطبوعة، أن “رئيس الجمهورية هو الأكثر حرصاً على الحريات واحترام الجميع للقضاء” وقال: “منذ انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة أظهرنا حرصاً على الحريات ولا نزال. دور الاعلام في لبنان مهم لإظهار لبنان بصورته الجميلة ونحن حريصون على الحريات “. وذكّر الحريري “بأن الحريات في لبنان كانت دائماً مصونة بالدستور والقوانين ولا سيما الكلمة الحرة، إلا أنه أحياناً تحصل عمليات تسييس وعلينا أن نكون كأفرقاء سياسيين بعيدين كل البعد عن أي محاولة للحد من الحريات”.

أما وزير العدل سليم جريصاتي، فعلم أنه حيا القضاء المسؤول في ملف الحريات و”كيفية وضعه حداً للاستغلال في هذا الملف”.

وكان وزير الاعلام ملحم الرياشي ووزير التربية مروان حمادة انتقلا من الاعتصام الى الجلسة، وعرض الوزير حمادة “بافتخار لمشهد الاعتصام الحضاري أمام قصر العدل في بعبدا”، وشدّد على “وجوب مقاربة قضية الحريات الاعلامية وفق الأصول”.

وشدد الوزير ميشال فرعون الى “وجوب تحصين الحريات الإعلامية مع ضرورة البحث في إجراءات وآليات جديدة لضبطها كما يحصل في فرنسا وألمانيا وفق مشروع لمنع الأخبار غير الصحيحة بدلاً من رفض المواقع الالكترونية“.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*