الإثنان على حق: أردوغان ونتنياهو

جهاد الزين
 26 تموز 2018 | 00:09

وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إسرائيل بأنها “الدولة الأكثر عنصرية في العالم” وردّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن تركيا تحت حكم أردوغان أصبحت “ديكتاتورية ظلامية”.

كلاهما محقّان. وهذا يحصل دائما في السجال السياسي. كل جهة تنعت الأخرى بنقطة ضعفها، لكن النعت أحيانا يطال الجوهري: أنت عنصري وأنت ظلامي.

الفارق الرئيسي بين العنصرية الإسرائيلية والظلامية التركية كما يبدو في اللحظة الحالية في الشرق الأوسط هو أن الأولى قديمة بمعزل عن قانون الكنيست الجديد ومنذ تأسيسها لأن المشروع الأصلي الذي قامت عليه يريدها أن تكون كذلك، وهي كذلك، الدولة القومية للشعب اليهودي، القومية لدين غير قومي بالأساس، والدولة الآتية نظريا من الأسطورة، دولة تحوّلت وهي الأكثر اصطناعا في المنطقة والعالم إلى الدولة الأكثر رسوخا وثباتا وقوة في الشرق الأوسط! وتمكنت الحداثة الغربية، التي هي سر قوة إسرائيل، من خلق كيان كولونيالي أكثر ثباتاً من محيطه الأصيل العربي والمسلم، ولو أن كيانات المنطقة المحيطة أيضا، أي حدود دولها، هي مثل إسرائيل مصطنعة.

إذن هذه هي الأعجوبة الغربية الكبرى في القرن العشرين والمتواصلة في القرن الحادي والعشرين، بل المتعاظمة في القرن الحادي والعشرين:

إسرائيل دولة مصطنعة غير أصيلة في المنطقة، ثابتة ومستقرة ومزدهرة. ومحيطها الشرقي العربي دول مصطنعة ولكن أصيلة جدا وغير مستقرة!

نأتي إلى الوصف المضاد: تركيا رجب طيّب أردوغان أصبحت دولة ظلامية. هذا ليس فقط صحيحا ولكن لعله العنوان الأول لأكبر خسارة لمسلمي الشرق الأوسط منذ تأسيس إسرائيل أو منذ هزيمة العام 1967. فالذي انتهى في تركيا أردوغان هو مشروع المصالحة بين الإسلام والحداثة، المشروع الوحيد في العالم المسلم التاريخي الذي كانت لديه فرصة نجاح على مدى عقود لإقامة ديموقراطية سياسية على قاعدة اقتصادية “نِمْرية”. كل هذا انتهى الآن تحت حكم “الإخوان المسلمين” الأتراك. عادت تركيا دولة تشبه محيطها المسلم: دول بلا أفق ديموقراطي ومتخلفة سياسيا.

رجب طيب أردوغان رئيس قوي بمعايير العالم الثالث. هذا صحيح. ويُحْكِم قبضته على الدولة والمجتمع. أيضا هذا صحيح. وتركيا دولة مهمة في المنطقة أكانت ديكتاتورية أو نصف ديموقراطية أو ديموقراطية، هذا صحيح أيضا وأيضاً. لكن ليست هذه تركيا التي حاولت صنعَها نخبٌ علمانية تركية على مدى عقود وكادت تصبح نموذجا للتقدم المسلم في زمن آخر ينتقل فيه المسلمون من تدهور إلى تدهور جديد.

العالم المسلم بلا تركيا واعدة هو عالم كئيب. وهذه هزيمة كبرى.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*