الأيام الحكومية الأخيرة للحريري… روايتان متناقضتان لوزيرين

مجد بو مجاهد
النهار
10112017

يعودُ بنا شريط المراجعة الى الأيام الأخيرة التي سبقت اعلان الرئيس سعد الحريري استقالة الحكومة من المملكة العربية السعودية للإجابة عن السؤال التالي: هل من علاقة بين الأداء الحكومي والغضب السعودي العارم على لبنان؟ وفي حال التسليم بهذه الفرضية، أين أساءت الحكومة الى السعودية؟ من كواليس الجلسات الأخيرة لمجلس الوزراء قبل رحلة الحريري الثانية في غضون أيام الى السعودية، والتي لم تنته حتى الساعة، تتقابل آراء الوزراء وتشخيصهم حالة الحريري في أيامه اللبنانية الأخيرة قبل الاستقالة، وما اذا كان مرتاحاً ومتفائلاً، أو أنه كان قد وصل الى مرحلة لم يعد قادرا فيها على التحمل. سألت “النهار” في هذا الإطار كلّاً من الوزيرين معين المرعبي وعلي قانصو رأيهما استناداً الى الأجواء التي سادت خلال الجلسات الحكومية الأخيرة، وعادت بروايتين متناقضتين.

المشهدية الأولى تصوّر المرحلة الأخيرة من عمر الحكومة، قبل فيديو قناة “العربية”، على أنها مرتبكة وشاقة. هذه المشهدية ينقلها الى “النهار” وزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعبي الذي يعرّف عن نفسه بعبارة “أنا من الشاهدين”، ليقول ان الحريري “تداول معنا امكان استقالة الحكومة مرات عديدة. لكنه كان يعمل في كلّ الأوقات لابعاد البلاد عن التجاذبات الخارجية، وهي مسألة مضنية واجهها متمتعاً بالبال الطويل قبل اعلانه الاستقالة”.

المشهدية الثانية مستقاة من مقاربة وزير الدولة لشؤون مجلس النواب علي قانصو الذي يصنّف “قماشة” الحكومة في أيامها الأخيرة “مخملية”. اذ كان الرهان، في رأيه، على استمرارها حتى اتمام الاستحقاق الانتخابي. حتى ان سقف البشائر السعيدة كان قد بلغ حدّ التسليم بمساعداتٍ اقتصادية مرتقبة من الرياض الى لبنان، ودائماً وفق قانصو، الذي يصوّر لـ”النهار” أجواء الجلستين الأخيرتين للحكومة كالآتي: “الرئيس سعد الحريري كان مرتاحاً في الجلسات الوزارية الأخيرة، وخصوصا بعد زيارته الأولى للسعودية، اذ انه قال لمجلس الوزراء قبل 48 ساعة من موعد الزيارة، انه لا يمكن تصديق ما يحكى في الاعلام عن رغبة سعودية في تطيير الحكومة. وطمأننا الى أن هذا الكلام غير صحيح، والحكومة باقية وستشرف بنفسها على الاستحقاق الانتخابي. ويوم الجمعة عقدت جلسة وزارية في بيت الوسط للبحث في قانون الانتخابات النيابية، حيث أعلن الحريري انه ذاهب الى السعودية بعد تحديد موعد له للقاء الملك سلمان، وكان متفائلاً بتأمين مساعدات اقتصادية للبنان، مؤكداً من جديد ان الحكومة باقية”. ويذهب قانصو بعيداً في وصفه الايجابي ليقول بصريح العبارة ان “الحريري كان مرتاحاً ومنشرح الصدر ولا آثار ارتباك عليه، او انفعال سلبي”.

العتب

اذا كانت الأجواء الضبابية قد سيطرت على عمل الحكومة منذ ولادتها، كما يقال، فكيف كان للسعودية اذاً ان لا تعتب على الحريري منذ أقلع قطار العهد؟ يطرح هذا السؤال نفسه على المرعبي الذي قال إن “دولة الرئيس شكا ضيقاً لم يستطع تحمّله”. ويجيب بأن الحريري “لبناني وطني أصيل وثقة المملكة كبيرة به، وهو فعل كلّ ما يمكن القيام به، لكنّ هناك أمورا تخرج عن الارادة، خصوصاً تصريحات المسؤولين الايرانيين والتعابير العسكرية التي ترد على لسانهم، الأمر الذي أثار حساسية المملكة، فاعتبرت انه لا يمكن الاستمرار هكذا، عارضةً التقارير العسكرية والامنية على الحريري بعد زيارة ولايتي للبنان. ومن المرجّح ان يكون ذلك هو السبب الذي دفع الحريري الى اعلان استقالة الحكومة. ولو أن الاستقالة فرضت، لكان يمكن ان تفرض في محطات سابقة وليس اليوم”.

وإذا كانت تصريحات المحللين السعوديين تشي بالعتب الكبير على المسؤولين اللبنانيين الذين لم يبادروا، على حدّ وصفهم، الى اتخاذ اي موقفٍ مندّد بإطلاق الصاروخ البالستي الذي غزا سماء الرياض، فإن المرعبي لا يجد ان المملكة كانت في انتظار اي تصريح من اي شخص في موضوع الصاروخ الباليستي. ذلك ان الاعتداءات الارهابية باتت حدثاً يومياً يتكرّر. ولكن من المؤكد وفق المرعبي، ان السعوديين يعون مدى وقوف اللبنانيين الى جانبهم من باب ردّ الجميل.

ومن وجهة نظر قانصو، ان الصاروخ الباليستي ناتج من “صراع يمني-سعودي لا علاقة لنا به نحن اللبنانيين، والحكومة اتخذت خيار تحييد نفسها عن الصراع الاقليمي بين السعودية وايران، رغم حرصنا على اقامة أمثل العلاقات مع المملكة، من منطلق أنها بلدٌ عربي، ولكن ان تصل المسألة الى حدّ الحديث عن اقامة جبرية لحريري، فمن يكون مخلّا بمنطق العروبة إذاً؟”.

القرارات

تختصر الانجازات التي لخّصت المحطات الايجابية لعمل الحكومة بمساهمتها في تفعيل عمل مجلس النواب ونجاحها في وضع قانون انتخابٍ جديد واقرار الموازنة للمرة الأولى منذ 12 سنة، فضلاً عن التعيينات العسكرية والديبلوماسية واستتاب الأمن والاستقرار بعد دحر العناصر الارهابية إبان معركة فجر الجرود، وتظهّر الحديث عن مكافحة الفساد. فيما ترجمت القرارات التي برزت محط خلافٍ بين القوى السياسية، والتي قد يكون لها انعكاساتها على الواجهة الاقليمية للبنان، بالخلاف في وجهات النظر حول زيارة وزراء لبنانيين لسوريا للمشاركة في معرض دمشق الدولي، ولقاء وزير الخارجية جبران باسيل بنظيره السوري وليد المعلم في الأمم المتحدة، وتوقيع أوراق اعتماد السفير اللبناني في سوريا، التي كانت محط اختلافٍ في الرأي داخل البيت اللبناني الموالي للسعودية، اذ انهم منهم من اعتبرها خطوة بروتوكولية لا أكثر، فيما وصفها البعض الآخر بأنها القشة التي قصمت ظهر البعير بين مؤيدي المحورين الايراني والسعودي في لبنان.

من هذا المنطلق، يتحدّث المرعبي ليقول ان ما حصل أشبه بـ”عملية تدريجية بدأت مع توقيف السعودية هبة الأربعة مليارات دولار أميركي بعد خشيتها تحويلها الى “حزب الله”، وهذا ما أثبتته معركة جرود عرسال الأولى مع محاولة سرقة انتصار الجيش اللبناني على داعش، من الحزب نفسه. فضلاً عن التحذير من خطر الحوثيين الذين وصلت اليهم أسلحة تستخدم لضرب السعودية”.

وهل من قراراتٍ اتخذت في الحكومة وجدتها المملكة مسيئة اليها، فاضطرت الى نسف الحكومة؟ يجيب قانصو، على عكس ما قال المرعبي، بان “الحكومة لم تتخذ في اي من جلساتها اي قرار مسيء الى السعودية. ذلك انه شأنٌ سياسي، فيما التسوية التي انبثقت من اساسها الحكومة، قامت على تجميد اختلافات وجهات النظر حول الخيارات السياسية، وهذا ما التزمته الحكومة. اذ اننا لم نناقش الخيارات السياسية خلال الجلسات، ولم نتخذ اي قرار ضار بالمصالح السعودية. ولا يمكن أحداً ان يتخذ قراراً من دون موافقة الحريري لكونه رئيس الحكومة. وكلّ ما كان يجري يحصل بموافقته وارادته، واي كلام آخر غير صحيح”.

وعن التنسيق مع الدولة السورية، يقول قانصو: “نحن من يعاني بفعل ملف النزوح ولا يمكن قطع أواصر التواصل مع النظام في هذا الإطار. ومن يغرّد خارج هذا السرب يسعَ الى ابقاء السوريين في لبنان. فيما كان الوزراء يزورون سوريا بحكم علاقاتهم بزملاء سوريين لهم تحت مظلة المصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين. ذلك ان عدم عبور الصادرات اللبنانية عبر خطّ الترانزيت يعني عدم وصولها الى الدول العربية. ولو ان سوريا لم تشترِ محصول الموز اللبناني لـخربت بيوت المزارعين هذه السنة. كما ان الفريق الآخر هو من طالب بتمثيلٍ ديبلوماسي بين البلدين، فيما هو اليوم يسعى الى وضع القيود بسبب أحقادهم وتبعيتهم للدول الاقليمية”.

لعلّ الانقسام في لبنان حول مسألة “اساءة” الأداء الحكومي الى السعودية أو عدمها، يتظهّر من بعدٍ سياسي. الفريق الموالي لايران لا يرى طمعا بالرئيس الحريري، بل يجد في أنصار السعودية في لبنان فحولاً في السياسة والاستراتيجية. حتى ان حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي وصفت بانها “حكومة حزب الله” لم تنفذ سياسات فريق 8 آذار، بل خدمت بيت الحريري. أما المحور اللبناني الموالي للسعودية، فيعكس في حديثه علاقات غير جيدة مع “حزب الله”، تحت شعار ان كلٌّ واحد “فاتح على حسابه”، والحريري تحمّل كثيراً ولم يكن باستطاعته تحمّل المزيد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*