الأفق المفتوح

تبشر “عيدية” الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله بمعادلات إقليمية جديدة، ليس انطلاقاً من معزوفة القدرة على استعادة القدس وفلسطين ونصرة القضية والقضاء على إسرائيل وإزالتها من الوجود، لكن لجهة تهديده بأن “حرباً تنوي إسرائيل شنّها على لبنان وسوريا لن تبقى محصورة في هذين الميدانين، وستفتح الباب أمام انضمام آلاف المقاتلين من العراق واليمن وإيران وأفغانستان وباكستان وبقاع أخرى في العالم إلى جانب سوريا والمقاومة”.

حجة نصرالله حماية “أمن لبنان في مواجهة إسرائيل والتكفيريين، وندافع عن بلادنا ومنطقتنا مما هو أسوأ وابشع”.

إلا أن ما يهم في استغلال منبر المناسبة الخمينية، هو تلويح نصرالله بالاتهامات والتهديدات من دون أي اعتبار للدولة اللبنانية، متجاهلاً مفهوم الدولة التي تأويه وحزبه، ومعلناً إلغاء الحدود اللبنانية وفق دفتر حسابات لامتناهٍ لتسجيل مكاسب تتجاوز بكثير النسبية والصوت التفضيلي والبطاقة الممغنطة وصفقات الكهرباء والاتصالات وكل ما هو محلي ضيق ينفع ليتلهى به ويتناتشه أفرقاء السلطة في لبنان.

هذا الطرح المستجد لـ “الأفق المفتوح” يذكرنا بأن “لبنان الدولة” لا يَلزَم “حزب الله” ولا يُلزِمه. يكفيه “لبنان الفندق” لا سيما بعدما زف إلينا سيطرة “محور الممانعة” على عشرات آلاف المقاتلين من العالمين العربي والإسلامي وتوجيههم الى حيث تدعوه المصلحة العليا للجمهورية الإسلامية.

وحيّا على الجهاد حتى لا يضيع الاستثمار في هؤلاء المقاتلين الذين تمت تجربتهم في سوريا والعراق واليمن، فأماتوا وماتوا في سبيل تعزيز النفوذ الإيراني والمساهمة بتردي أوضاع الأنظمة العربية.

وكأن هذه التجربة “الجهادية” بروفة لا بد منها لتأمين التدريب اللازم وزيادة الجهوزية الكفيلة بدعم وعد تحرير القدس. أما تحقيق الوعد فهو تفصيل تافه، أو هو لن يصبح ممكناً الا بعد تنظيف الأمكنة التي تعيق انتشار الإمبراطورية الفارسية المراد لها أن تتمدد وسع العالم العربي، ما دامت العدة البشرية واللوجستية جاهزة وما دام “الأفق المفتوح” تحت سيطرة ايران ومليشياتها الحاضرة لاستباحة أي بلد يعيق هذا التمدد.

 وفي حين يؤشر مسار الأمور الى ان الوعد بحماية البلد او باستعادة القدس وتحريرها من فصيلة الكمون، تبقى شعوب هذه المنطقة، كما زهرة المدائن، في غرفة الانتظار تسترق السمع الى كل العنتريات والتغني بالإمكانات التي تضع إيران ومحورها في خانة القوى العالمية العظمى على حساب فاتورة الدم التي يرتفع منسوبها.

بالطبع ، كل ما ورد في خطاب “يوم القدس” سيبقى كلاماً معلقاً على هواء الخطابات الموسمية، لأن النية بالتحرك الفعلي صوب القبلة الثانية ليست موجودة الا كشعار مستورد من النظام الإيراني الذي أراد استخدام القضية الفلسطينية لغاياته السائرة على قدم وساق، وأهمها استهداف القبلة الأولى. والا لمَ التأخير في تحرير فلسطين مع كل فائض القوة الاستعراضي المتزايد والمتعاظم والمتورم بكل هذا الشحن المذهبي المستمر وآخره اتهام مباشر للسعودية باستدعاء إسرائيل لتدعمها في حربها باليمن.

اما الدليل على هذا الاستهداف، فلا لزوم لتقديمه. يكفي شحن من لديه الاستعداد للتطرف المذهبي أياً تكن وجهة تطرفه ليتم التجنيد والتهديد بفتح حدود الدولة الفاشلة والمنتهكة أصلاً، وليس بالضرورة لمواجهة إسرائيل، فالمطلوب حالياً المحافظة على شرف القدس التي “تأبى أن تتحرر على ايدي المنافقين والخبثاء والعملاء والخائنين، القدس تتحرر على ايدي المؤمنين بالله والمقدسات وبحقوق شعوبهم”.

هنا ندخل في باب “عنصرية الجهاد”، التي ترفض منح “الانظمة المتآمرة على محور المقاومة” أي مجد في أي مجال، وتهددها جهاراً نهاراً بتنظيف قبلة المسلمين في مكة من آثامها.

والاولوية لمحور الممانعة بالطبع يجب أن تكون القضاء على هؤلاء المنافقين و”الخبثاء والعملاء والخائنين” بعد ذلك يمكن التفرغ “على رواق” للقضية المركزية، على اعتبار ان العجلة من الشيطان، والا لشهدنا رداً للاعتداءات الإسرائيلية السافرة المتكررة والمستهدفة الحزب الالهي والنظام السوري، وآخرها سُجِّل على جبهة القنيطرة غداة خطاب نصرالله. ولا يبدو ان الرد لناظره قريب.

القريب للناظر سيكون مزيداً من القلق والإحراج للدولة اللبنانية، فقد نسف تصعيد نصرالله زخم العهد الجديد وهيبة “الرئيس القوي” كما طير شبهة التفاهم التي عكستها الأجواء التوافقية المرافقة لإقرار قانون الانتخاب واللقاء التشاوري في بعبدا.

ذكّر الجميع أن “لبنان الفندق” سيبقى ساحة للآخرين رضي من رضي ورفض من رفض وبادر من بادر الى الاعتراض الشكلي، إذ إن قراءة الاعتراضات تشي بأن الأطراف السياسية استوعبت درسها، لأن همها المحافظة على ما بقى من مؤسسات الدولة لتقاسم المناصب وابداء الحرص على التوازنات وحفظ الإستقرار، والاكتفاء بنفوذ المقاولات تاركةً حزب الله يحتكر النفوذ الفعلي، لكونه حامل مفاتيح “الأفق المفتوح” والمكلف الوحيد بفتوى شرعية لإدارة شؤون “لبنان الفندق” في المحيطين الإقليمي والعالمي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*