الأرملة والعمارة

ما بين كتابة هذه السطور وطباعتها، لا أدري ماذا يكون قد حل بالجدل الانتخابي، أو ما يسمى، تجاوزاً لكل الاعتبارات والمصطلحات القانونية، “قانون الانتخاب”. وفي أي حال، من الواضح أن الجدل حول مشاريع القوانين، أو حول ما يمكن أن يتم الانتهاء إليه من صيغ ومعادلات واحتسابات، لا يعني أحداً من الناس أمثالنا. إنه خلاف مُعلن بين سياسيين حول أرقام مُعلنة، ميزته الوحيدة عدم اخفاء النيات وتسميتها بما هي، وتسييلها إلى ارقام وكسور.

فالحاجة إلى البرلمان لا تنقطع في نظامنا مهما اشتدت قوة السلطة التنفيذية. وقد نرفز الرئيس اميل لحود مرة من تصويت مجلس النواب على مشروع قانون معاكس لرغبته، فكان أن عاد النواب عن رزالتهم خلال أسبوع واحد، واقترعوا، ديموقراطياً، دستورياً، تشريعياً، ضد الاقتراع المشين.

في الانظمة التوافقية، التوافق ليس شرطاً دائماً. أحياناً يقتضي التوافق، الموافقة وحدها. فيغيب الرضا ويحلَّ التراضي، والعزة للعرب.

لا جديد في الأمر. والمحزن دائماً، الوقت. يتجادل السياسيون ويتضاربون ويتشاتمون، ليس على حسابهم، بل على حساب الناس. هم رابحون، كيفما كانت النتائج، لأن عملهم واحد، أما الناس التي تنتظر وصول مسافر إضافي، أو ظهور فرصة عمل في أي مكان، فإن معيشتهم تتوقف على هبوط رحمة لا تهبط في حروب المكايدات والنكايات.

العام 2002، أصدر الطبيب المصري علاء الاسواني، روايته الأولى “عمارة يعقوبيان” ويحكي فيها حياة مجموعة من سكان البناية القائمة فعلاً وسط القاهرة، حيث اقامها العام 1934 الثري الارمني، أغوب يعقوبيان. حكاية عالم يتداعى، رمزياً وحسياً، وينزلق اهله نحوالحاجة والعوز. في نشرة MTV مساء الأربعاء الماضي، ريبورتاج عن سكان “عمارة صالحة وعيتاني” في بيروت: بناية تتداعى فوق رؤوس سكانها، وامرأة بائسة بؤس البؤس تقول باكية، إنها ارملة لا تملك فلساً ولا مكاناً ولا خياراً سوى الرعب من أن يتحول كل هذا الخواء والتصدع إلى انهيار ايضاً.

تمر مثل هذه الصور مرة واحدة في الاخبار، ويسيطر على عقول الناس ويثقل على نفسوهم، الجدل حول قانون لا يعني لمعاناتهم وعذاباتهم شيئاً. أي شيء. إنهم يسمعون حكايات هدر وفساد وسطو بآلاف الملايين، ولا يسمعون عن قانون واحد لحماية الشيخوخة من الذل والإهانة. ويسمعون عن مشاريع ممتازة لاستعادة شيء من الاغتراب، لكنهم لا يرون مشروعاً واحداً لحماية الناشئة من وباء الهجرة من بلد نازف بالناس.

أعلنت شركة عن وظيفة بـ 600 دولار شهرياً فتلقت 36 طلباً في أسبوع، جميع اصحابها خريجون. ونشرت “الاوريان لوجور” الاسبوع الماضي قصة التاجر كمال سنو الذي يؤمِّن من خلال مطاعم البلد، 3 آلاف وجبة كل يوم لثلاثة آلاف إنسان كان يمكن أن يناموا دون عشاء. وهو يسعى الى رفع العدد خلال سنة الى اربعة آلاف وجبة. وربما كان هذا هو الحل: ينصرف السياسيون الى وضع القوانين، ويتصرف المجتمع المدني الى تخفيف ثقل الحياة على البشر، في بلد لا يزال يعتبر تأمين الكهرباء ترفاً، وكأننا في القرن التاسع عشر.

تستطيع أن تشق اللبنانيين حول أي شيء، أي شيء، ولا يمكنك ان تجمعهم حول عمل خير واحد. مختلفون على المليارات، ولا نستطيع العثور على مائة شخص يضيفون مائة وجبة إلى مشروع كمال سنو. الف دراسة ورأي وحماسة حول قوانين الانتخاب، وما من ورقة واحدة حول الخائفين والمتعبين في “عمارة صالحة وعيتاني”. والله اعلم كم هناك من عمارات وحارات مشابهة.

ردَّ “المجتمع المدني” على كل هذا المستنقع المتراكم منذ عقود، بشعار قليل الذوق ولا يليق بالبيوت: “طِلعِت ريحتكم”. هذا دليل على ان خِدر الروائح اصبح عاماً، وأن لغة الابتذال اصبحت لغة الاقناع. أو التخاطب الوطني. وهذا العنف اللفظي تحوّل، كما هو متوقع، الى عنف خلقي مَرضي يظهر في الأخبار اليومية من حالات قتل وضرب وقسوة ووحشية، تمارس ضمن العائلات.

ثمة محاولات “مدنية” متواضعة الآن لاستعادة طرابلس الى الحياة الوطنية اللائقة. ويقتضي ذلك، كما تقول إحدى الناشطات البارزات، استعادة البعض من أقصى حالات الفقر، وآخر حالات اليأس، اللذين دفعا بهم الى اقصى أنواع “الحلول”: المخدرات.

ذات مرة كتب الراحل مارك رياشي في “النهار” مدافعاً عن استخدام المخدرات باعتبارها أهون من المعاناة التي يمر بها البعض. وكان ذلك عملاً اخلاقياً يائساً هو أيضاً، وقائماً على اليأس، لا على المنطق. فالمسألة هنا خاضعة لألف حساب، آخرها الحساب الاخلاقي، أو الروحي، لأن الادمان الذي يخفف وهمياً ألماً عابراً، يتحول الى مأساة دائمة وحقيقية.

هذه الظواهر الاجتماعية مسؤولية عامة تقع على المؤسسة اللبنانية بكل من تضم من سلطة سياسية، أو دينية، أو اجتماعية. لن يتطور البلد ونحن معتزلون. العام 1975 كتب ادوار صعب، أحد كبار صحافيي الشرق، أن ثمة بلدين على كوكب الأرض لم يتغير فيهما الطاقم السياسي منذ 1932، اسبانيا فرانكو ولبنان. كان ادوار من أوائل ضحايا الحرب اللبنانية وقناصتها، فقتل مع وفاة فرانكو، ولم يعش ليدرك أننا كسبنا حصرية التميز على الكوكب. ولا نزال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*