الأرزة والفولاذ لفاليري فنسان فيلم الذاكرة والحنين إلى التراث

فاليري فنسان ليست سائحة فرنسية جاءت للاستجمام في لبنان لزمن محدّد، تعود بعده إلى باريس مدينة النور حيث مسرحها ومحيطها الفني. سرّ هذه المرأة التي زرعت جذورها في بيروت للاستقرار ومتابعة اختصاصها في التمثيل والإخراج، الذي بدأته عام 1994 في باريس، واستمرّت في نجاحها حتى عام 2007، إلى حين مجيئها إلى لبنان عام 2008 حتى يكمن في كونها عشقت هذا البلد، وألفت مجتمعه البيروتي الذي لم يركب قطار الزمن الحديث، بل ظلّ مواظباً على تقاليده القديمة، وشعاره “الناس لبعضها”. بين هذا القوم الطيّب، وجدت شقة متواضعة أثّثتها منذ عشر سنوات، للعيش فيها ولتكون في آن محترف مسرح للأولاد، يكشف مواهب كانت خفيّة، يدرّبهم على اللفظ والتعبير ويبث فيهم حب الابداع.

عرفناها واشتدت أواصر صداقتنا بها من خلال المسرحيات التي تقتبسها وتخرجها وتوزّع أدوارها على فتيان وفتيات في سن البراعم. هكذا أدوا على غير مسرح في العاصمة والقرى اللبنانية، “البورجوازي الشريف” لموليير، و”ماتريوشكا”، و”الحب الطبيب” و”هتشبسوت امرأة فرعونية”.

وتعمقت معرفتي بهذه المفتونة بالمسرح أكثر حين قدّمت على مسرح المدينة من إخراجها مسرحية “عجيب قدر السيد والسيّدة والاس”، لكاتبها جان لوي بوردان، وفي كازينو لبنان ومسرح مونو، “الوهم الزوجي” للمؤلّف ادمون أسوس. أما الآن فوجه جديد نتعرّف إليه، فاليري فنسان كاتبة ومخرجة سينمائية في فيلمها “الأرزة والفولاذ” الذي دعانا المركز الثقافي الفرنسي لمشاهدة عرضه في قاعة مونتان. فيلم اسمته مسودة حلم، فحياتها البيروتية صوّرتها فيه بحنانها وحلوها ومراراتها. هي قصة لبيروت التي تشهد اليوم تدمير أبنيتها التراثية لإقامة الأبراج مكانها. هي قصة الناس المتواضعين، المتمسكين بماضيهم وعاداتهم، الذين يقتلعون من بيوتهم القديمة ويتشرّدون في غربة مدينة فقدت أحلى ما كان فيها، تقاليدها.

نسمعها تروي تجربتها البيروتية، فتقول: “أقمت عشر سنوات في مبنى قديم قائم في وسط بيروت. هذه العاصمة متعبة بضوضائها وفوضى العمار فيها، لكني وجدت فيها على سكينتي، من جيرة أصبحت فوراً لهذه الغريبة، عائلتها. في هذه الشقة جعلت محترف المسرح. أستفيق على أصوات الأولاد وهيصتهم، تناديني النساء إلى صبحياتهن، إلى طقوس المعمول في الأعياد، هكذا تربى الذكريات الطيّبة التي تؤنسن المرء”.

“الأرزة والفولاذ” مشاهد من الحياة اليومية، العائلية، في هذه الأبنية المهدّدة بالزوال. باقتلاع الناس من تقاليدهم اقتلاع للقيم الإنسانية، واقتراف مجازر بحق البنيان اللبناني التراثي.

كلمة أخيرة في هذا الفيلم: “بتدمير الحجر، تدمير للروابط الاجتماعية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*