الأدب الإسرائيلي مناقضاً السرديّة الرسميّة لحرب 1948

سميلانسكي كان أول من كتب عن مأساة طرد الفلسطينيين من بلادهم
ندى حطيط
الشرق الأوسط
15052018

النزوح الفلسطيني الكبير

لندن: ندى حطيط
لم تكُ قد مضت أعوام قليلة على نشره نصّه التأسيسي عن «دولة اليهود» عام 1896، حتى كان ثيودور هيرتزل – وقد صار حينها كما نبي جديد لبني إسرائيل في أجواء الدبلوماسيّة الأوروبيّة – يجد الوقت لينشر رواية أدبيّة تحكي قصة عودة حاج يهودي تاه عن رفاق السّفر في الرّحلة إلى الأرض المقدّسة، فيأخذه الحنين إليها مسافراً على معجزة صنعها ميعاد الإيمان مع القدر: قطعة من قماش عَبَر عليها الماء إلى أرض الآباء والأجداد. هيرتزل الذي كان صحافياً وروائياً مغموراً قبل لمعان بريقه في ساحة السياسة، والممسوس برؤية يوتوبيّة لدولة عبريّة يُرحب بها العرب بينهم، لم يكن موهوباً لا في الأدب ولا في التنظير السياسي – وإن نجح بإطلاق حركة سياسيّة استيطانيّة شوهت وجه الشّرق الأوسط لمائة عام تالية وما زالت – لكن روايته تلك على سذاجتها وهُزالها الظّاهر كانت إشارة مبكرة إلى عمق تشابك السياسي بالأدبي في المشروع الصهيوني منذ بداياته الأولى، ونموذجا أوليا بليغا لفكر العنجهيّة الذي سيطبع سياسات «الدّولة» العنصريّة، ويحتكر في الوقت ذاته سرديتها لفضاء الحكاية عن تلك السياسات بآيات ملؤها الأساطير والتلفيقات.

إسرائيل التي تحتفل الشهر الحالي بسبعينية تأسيسها، لم تَحِد ولو ليوم واحد عن تعاليم عرّافها العبراني المتنقل بين السّياسة والأدب، فاقتلعت الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين بلا رحمة، وأسكنت بدلاً منهم مهاجرين لا يُعرف أجدادهم، وأحكمت في الآن ذاته السيطرة على قصة هذا الاقتلاع عبر ترويج نسيج محكم من الأكاذيب والصور الخياليّة التي تلّمع صورة القاتل وتزيل صورة المقتول حتى كادت تسلب الألق من القصص القديم المنحول في كتبهم المقدّسة. ولعل أحداث حرب فلسطين عام 1948 تحديداً – وأكثر من غيرها من حروب إسرائيل الكثيرة – تعرضت لجهد السلطات الممنهج بغرض الاحتفاظ بسيطرة حديديّة على السرديّة التاريخيّة عنها. وغلّفت تلك الحرب المؤلمة، التي كانت الحدث المفصلي الأهم في الشرق الأوسط ربما طوال القرن العشرين كلّه وأثّرت على مصائر أنظمته وشعوبه دون استثناء، بعناية فائقة بقماشات توراتيّة ومبالغات مؤدلجة لتكرس انتصار الدولة العبريّة العسكري الحاسم احتلالاً للأذهان يُتوّج الإسرائيليين أبطالاً مؤلهين والفلسطينيين أوغاداً باهتين، مع إلقاء ظلال كثيفة على كل العنف المقّدس وسياسات التطهير الممنهج والتهجير والعزل الذي أوقعته الدولة الوليدة بأصحاب الأرض، حتى إن وزيراً للتربية (يوري تامير) كاد يفقد منصبه الحكومي عندما سمح في لحظة سهو بتضمين كتاب مدرسي عن التاريخ موجه لفلسطينيي 1948، الذين فُرضت عليهم الجنسيّة الإسرائيليّة، فقرة واحدة تذكر كلمة «النكبة» لتصف رؤية العرب لهزيمتهم القاسية في الحرب.

نجحت السلطات الإسرائيليّة بامتلاك السرديّة التاريخيّة عن حرب 1948 مستفيدة من أن الوثائق الرسميّة محميّة لثلاثين سنة مقبلة على الأقل، وأن المؤرخين والإعلاميين والمثقفين والأكاديميين الإسرائيليين عموماً انخرطوا في مؤامرة ترويج أفيون الكذب عن معجزة الانتصار والبراءة من دماء الضحايا، بينما تشظى الفلسطينيون بين المنافي والاحتلال دون قدرة فعليّة على مناهضة تاريخ المنتصرين – أقلّه على الساحة الدّوليّة -. والأهم من ذلك كلّه أن الدّول العربيّة المجاورة للكيان الجديد اعتمدت سرديّات مفتعلة محليّة لها عن مجريات تلك الحرب ألقت فيها – ودون الكشف عن وثائق أو إسنادات – بلائمة الهزيمة على العرب الآخرين، والعالم المناهض، وثمنت عالياً جهوداً مزعومة أو حقيقية لجيوشها في معارك فرعيّة مختارة، وهو الأمر الذي سهل على السلطات الإسرائيليّة مسألة طمس الوقائع وبيع الأساطير. لكن سُتر الظلام المتقاطع هذه، ما لبثت أن خُرقت من حيث لم يتوقع السياسيون المهيمنون على الكيان: بوابة الأدب الإسرائيلي تحديداً.

كانت تجربة تحققِ استقلال إسرائيل وبناء الدّولة على أنقاض فلسطين تجربة مؤلمة للضحايا كما للمجرمين أنفسهم، وهي تمكنت من مخاطبة إنسانيّة بعض الأفراد ثاقبي الرؤية فحررتهم من وهج جدار الخزعبلات الأسطوريّة التي أنتجها تلامذة العرّاف الممسوس هيرتزل، فسجّل بعضهم متسربلاً بنصوص روائيّة لوحات من ألم مخنوق شاهدوه في عيون الضحايا أو في ضمير القاتلين. ربما كان أول هؤلاء يزهار سميلانسكي (1916 – 2006) رائد الأدب الإسرائيلي في روايته القصيرة «خربة خزعة» التي سجّل فيها حادثة تهجير متعمد لأهل قرية فلسطينيّة كتبها أثناء حرب فلسطين عام 1948 (التي استمرت فعلياً لعشرين شهرا من إلغاء الانتداب إلى توقيع اتفاق لوقف النار من آخر دولة عربيّة شاركت في الحرب) وصوّر فيها تمسك الفلسطينيين بكرامتهم بينما هم يطردون من بلادهم على يد الجنود الإسرائيليين قساة القلوب. يَخفض الراوي – الإسرائيلي – في الحكاية عينيه خجلاً من حزن صارم عميق لمحه في عيون سيّدة عربيّة كانت تترك بيتها مهزومة غير مكسورة، ليغرق بعده في لجة أحزان حملها وجدان الشعب اليهودي في منافيه الأوروبيّة الكثيرة: لقد كان شعباً خبر النفي والتهجير ينقلب اليوم من ضحيّة إلى قاتل يتماثل مع من قتله وهجره. تشد خناقها الغُربة على بطل الرواية في «خربة خزعة» فيقول: «كأني لا يقبلني المكان نفسه». بعدها كتب سميلانسكي قصة قصيرة شهيرة نشرها عام 1948 بعنوان «السّجين» وفيها يخاطب جندي إسرائيلي نفسه في مونولوج داخلي عن الفظائع التي ارتكبها الإسرائيليون خلال أعمال تهجير الفلسطينيين عام 1948 فيقول: «إذا كان لا بدّ من تلك الممارسات القذرة فليقم بها الآخرون. وإذا كان لا بدّ من التلّوث بالبشاعة فليمد آخرون غيري بأيديهم؛ أنا شخصياً لا أستطيع»، ثم يتألم وهو يروي الأحداث التي عايشها: «لقد كرهت وجودي كلّه». كانت «السجين» كما حكاية عن ألم سرد الحكايا.

لحق روائيون إسرائيليون آخرون كبارٌ بسميلانسكي، وتجرأوا على البوح في فضاء الرواية حصراً. عاموس عوز وديفيد غروسمان و«إيه. بي. يوشع» وغيرهم مجالاً لعاقل لأن يصدّق أوهام المعجزة والبراءة التي كانت تروجها المؤسسة الرسميّة. كما ساهمت روايات كتبها أدباء فلسطينيون أُسْرِلُوا وكتبوا بالعبرية أو ترجمت نصوصهم لها، مثل «المتشائل» لإميل حبيبي و«أرابيسك» لأنطون شمّاس، في تصوير ملامح أخرى من عذابات الخاسرين في الحرب.

هذه الإشارات الخاطفة عن سرديّة مناقضة للديماغوجيّة الرسميّة ربما لم تصل إلى الجمهور الإسرائيلي العريض، رغم أن أعمال سميلانسكي تدرّس في المدارس العامة؛ فإنها قدّمت دائماً على أنها تجارب نفسيّة لأفراد بعيداً تماماً عن سيّاق الزمان – المكان الذي حاكته -، ومع ذلك، فإنها بتكرار حضورها خرقت جدار الوهم العازل في ذهن جيل جديد من المؤرخين الشباب الذين استفزتهم خبرة حرب لبنان 1982 والتضليل الذي وسم السردية الرسمية عنها، ودفعتهم للتجرؤ؛ ربما ليس على نقض المشروع الصهيوني برمته، لكن أقله على إعادة النظر في جزئيّات مختلفة من سّردية السلطات عن حرب 1948 وطرح تساؤلات نقديّة الطابع عن حقيقة الفظائع التي ارتكبت بحق أصحاب الأرض، والتي تندي جبين أي إنسان؛ ناهيك بشعبٍ أقام دولة من رغوة الخزعبلات بحجة الهولوكوست التي تعرض لها على أيدي الأوروبيين قبل سنين قليلة من 1948.

ليس كل الروائيين الإسرائيليين متوثبين للخروج من شرنقة المعرفة المقوننة في ذلك الصندوق الخانق المسمى إسرائيل. وليس كل المؤرخين الإسرائيليين – الجدد كما أصبحوا يعرفون – أنبياء حقيقة ليواجهوا أسس المشروع الصهيوني كلّها والتبرؤ منها، لكن الأدب أمطرنا دائما بالأمل بأن للكلمات أجنحة للتحليق في فضاء الحقيقة ولن تقبع حكراً في أقفاص تجار الأساطير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*