الأب شيخو يهاجم جبران والريحاني: “شهواني” و”ذو رائحة نتنة”

محمود الزيباوي|السبت13/01/2018

Almodon.com

لويس شيخو اليسوعي
اعتبر العلامة اليسوعي أن جبران باع قلبه لهوى النساء

بالتعاون مع “كرسي جبران للقيم والسلام” في جامعة ميريلند الأميركية، و”لجنة جبران الوطنية في لبنان”، نظم “مركز التراث اللبناني” في الجامعة اللبنانية الأميركية مؤتمراً دولياً بعنوان “جبران القرن الحادي والعشرين: رسالة لبنان إلى العالم”، شارك فيه عشرون باحثاً من لبنان والولايات المتحدة وإيطاليا وأستراليا. تحوّل جبران إلى أيقونة لبنانية منذ عقود من الزمن، إلا أن قلة من الباحثين تشير إلى المقالات التي هاجمته بضراوة عند صدور مؤلفاته، مع العلم بأن هذه المقالات حملت توقيع أسماء كبيرة في بعض الأحيان، ومنها مقالة بعنوان “بدائع جبران خليل جبران وطرائفه”، كتبها الأب لويس شيخو ونشرها في مجلة “المشرق” في تموز/يوليو 1923.

نشر لويس شيخو مقالته في مناسبة صدور كتاب “البدائع والطرائف” في القاهرة، والمقالة بحسب العنوان الفرعي “نظر انتقادي”، أي رؤية نقدية لجبران وفكره، ويُعتبر كاتبها من كبار الباحثين في الآداب العربية، ويوصف بالعلامة، وعند رحيله في أواخر صيف 1927، كتبت مجلة “المصور” المصرية في رثائه: “نعت الينا انباء بيروت أخيرا المرحوم العلامة الشهير الأب لويس شيخو اليسوعي عن ثماني وستين سنة قضى الشطر الأكبر منها في خدمة العلم والادب، وقد اتقن رحمة الله عليه علاوة على العربية والفرنسية معظم اللغات الشرقية القديمة، وجاب القارتين جامعا أكبر مكتبة في الشرق، ونشر في مجلة المشرق من تلك الآثار ما يزيد عدد صفحاته عن خمسة وعشرين ألف صفحة، وقد ألّف في حياته ما ينيف على المئة مؤلف، رحمه الله رحمة واسعة”.

أمين الريحاني

هاجم شيخو في مقالته بضراوة أدب جبران وشخصه، وتطرّق في هجومه إلى أسماء أخرى، أبرزها أمين الريحاني وفرح أنطون. في مقدمة حديثه، قال الباحث إن كتاب “البدائع والطرائف” وصل إليه كهدية من ناشره يوسف توما البستاني صاحب مكتبة العرب في مصر. واعتبر أن نشر البستاني لهذا المؤلف “دلّ على قلة اكتراثه لكرامة ملّته المارونية ولشرف مبادئ دينه وآداب وطنه، سامحه الله”. ثم قدّم تعريفاً بجبران، ورأى أنه “رجل بلغ الكهولة، رأى النور سنة 1883 في بشرّي من أعمال لبنان، وبعد أن تخرّج من مدرسة طائفته البيروتية، تقلّب مع الدهر، وتنقّل إلى بلاد شتى كفرنسا وأميركا، واستوطن نيويورك، فسلب عقله تمدّن العالم الجديد الذي أعلن 65 في المئة من اهله تجرده عن كل دين، واعتبر كثيرون منهم الدين قيداً لا بد من كسر اغلاله وقمع نيره ليستسلموا إلى اهوائهم الباطلة، وعلى الأقل إلى أعمالهم المادية واشغالهم الهيولية، ذاهلين عن قول الرب إن الإنسان لا يعيش من الخبز وحده”. استند شيخو في كلامه على إحصاء جرى في الولايات المتحدة، وقال إن هذا الإحصاء يشهد “على رقي أميركا المزعوم”.

نشر جبران “البدائع والطرائف” بعد مؤلفات عدة، وهي “نبذة في فن الموسيقى”، “عرائس المجالس”، “الأرواح المتمردة”، “الأجنحة المتكسرة”، “دمعة وابتسامة”، “المواكب” و”العواصف”. رغم ذلك، اعتبر شيخو أن جبران هو في المقام الأول “مصور بارع استعان بمخيلته الشرقية لرسم عدة تصاوير مشاهير الإسلام”، وتوقّف أمام رسم ذاتي له تصدّر كتابه، ورأى أنه يمثّل رجلاً “يسخر بناظريه ويهزأ بدهره، وهو واضع يده اليمنى في جيبه ويستند بشماله إلى عصاه”، وكأنه يردّد قول النبي إشعيا: “فنستمتع بالحياة ونأكل ونشرب فإننا غداً نموت”. أضاف: “وقد أثّر فن التصوير في عقل جبران، فظن انه في الكتابة أيضا يكفيه الرجوع الى مخيلته، فمهما خطر لها من درّة أو بعرة يجوز له ان يفوه به صدق او كذب”.

هكذا استهل الناقد مقالته بالهجوم على الكاتب وناشر الكتاب، وشمل هذاالهجوم كاتبين من كبار المفكرين اللبنانيين، وقال: “ثلاثة رجال سلكوا هذه الطريقة المبهرجة خصوصاً في عهدنا، وكلهم نصارى. مارونيان: امين (محمد) الريحاني، وجبران. ورومي أرثوذكسي هو فرح أنطون”. اعتبر شيخو أن نتاج هؤلاء الكتاب ما هو إلا “لفظ وثرثرة”، وأشار إلى مقالة له تناول فيها “الريحانيات” التي تشهد على “قلة ذوق” صاحبها، “وسوء طريقته الكتابية وتعسفه وتصنعه”، وهو كاتب يزعم “انه يكتب الشعر المنثور، وهو لا يحسن النثر البسيط”، ثم استطرد معلّقا: “ومثل الريحانيات، الفرحيات، أي تآليف فرح أنطون الذي حاول أيضاً جذب قرائه ببهرجة الكلام في مقالاته الملتبسة ومدعياته الفلسفية التي دسّ فيها غالبا مبادئه الباطلة”.

هكذا رأى لويس شيخو أن جبران “تعقّب الريحاني في انشائه وافكاره”، وتجلّت هذه التبعية في “هذيانه”، وحديثه عن “الإنسان الكامل” مثال على ذلك، وقال ساخرا: “بالله عليك أيها القارئ قل لي ماذا أدركت من كل هذه الألفاظ المزوقة، أهذا كلام يفوه به رجل عاقل؟ وكم في هذا الكتاب من اشكال هذه البدائع واللطائف التي يعدّها كاتبها آيات من البلاغة والأفكار السامية، فإذا سيّرتها بمسيار الانتقاد اخذك العجب من سخافة كاتبها”. واصل شيخو هجومه الحاد، ونقل “قصة الليل والمجنون”، وتوقّف أمام فصل “أنا غريب في هذا العالم”. أضاف: “رجل يغفل عن ذاته كما يغفل عن كل ما حوله، أهذا شاعر أم مشعور؟”. ثم تابع حديثه عن “الشذرات الباردة والمقالات الصبيانية الفارغة” التي وجدها “البدائع والطرائف”، ووصف جبران بالشهواني، فهو “مغرم بالنساء، فإذا تصورهن لا يتصورهن إلا عاريات، وان ذكرهن لا يذكرهن الا كالمتيم بعشقهن، وإذا وصفهن الا للخلاعة، وان ذكر الحب رام الاحتراق بلهيبه”، كما في قوله: “سمعت صوتاً آتيا من داخل الهيكل يقول: الحياة نصفان، نصف متجلد ونصف ملتهب، فالحب هو النصف الملتهب، فدخلت الهيكل اذ ذاك، وسجدت راكعا مبتهلا مصليا هاتفا: اجعلني يا رب طعاماً للهيب، اجعلني أيها الإله مأكلا للنار المقدسة، آمين”. وأضاف الناقد بلهجة الكاهن الواعظ: “فبينما يطلب أصحاب الضمير منه تعالى ان ينجوا من شهوات نفسهم الأمارة، يقتصر جبران في صلاته على ان يطلب من الله ان يكون طعاما للهيب العشق ومأكلا لناره المقدسة”.

هكذا اعتبر العلامة اليسوعي أن جبران “باع قلبه لهوى النساء”، ونادى بالثورة والتمرّد في فصل “العبودية” حيث رأى في كل “طبقات الهيئة الاجتماعية” صنوفا من العبيد، وكلامه في هذا الفصل “ثرثرة رجل متشدق متعطش الى الحرية ولا يعلم من امرها شيئا”، وأبلغ دليل على ذلك قوله: “الحياة بغير تمرد كالفصول بغير ربيع، والتمرد بغير حق كالربيع في الصحراء القاحلة الجرداء. الحياة والتمرد والحق ثلاثة اقانيم في ذات واحدة لا تقبل الانفصال ولا التغير”، وقول جبران هنا مستعار من دستور الإيمان المسيحي، وفيه يرفع “الحياة والتمرد والحق”، إلى مقام الإله الواحد المتجلي في أقانيمه الثلاث، أي الآب وابن والروح القدس.


في الختام، عاد شيخو إلى الهجوم الذي استهل به مقالته، ورأى في الخلاصة أن “الخلاعة وروح الثورة على السلطة لا ينفصلان في قلب جبران، كما لا ينفصلان في قلب الريحاني وفرح أنطون”. وقد تحامل هؤلاء الكتاب على الدين، وبلغوا في تحاملهم على الدين “الكفر والزندقة”، “فهم في هذا الميدان أيضاً كخيل الرهان، يتسابقون فيه، فيرون في الدين وأهله مجموع الآثام، فينسبون اليه قبائحهم وفظائع قلوبهم”. رأى الكاهن اليسوعي أن جبران والريحاني وفرح أنطون “لا يمكنهم أن ينظروا إلى رجال الدين إلا اشتعلوا غيظاً، ولعلّ منظر الكاهن يذكرهم بسوء سلوكهم وبالثواب والعقاب اللذين ينذرهم بهما ارباب الكنيسة وبالحساب الذي يجب عليهم ان يؤدوه يوما الى ديّانهم، فيقشعرون”. فالريحاني، “ذو الرائحة النتنة”، لا يتوقف في كل كتاباته عن “نفث سمومه في الدين وممثليه، بل لم يخجل أن يتعدى بلسانه الأثيم على فخر لبنان بطريرك طائفته الجليل”، كما أنه تعدّى على “كرامة سيدة لبنان، فضربته بذراعه ضربة لا يزال يشكو منها”. “وانطون فرح في كتاباته يصور رجال الدين لا فكر لهم إلا ابتزاز المال من ايدي الناس”. وقد سار جبران “على مثال السابقين في بغضه للدين ومناهضته لأصحابه”، ونفذ في قلبه الميكروب اللاديني”، “ولو أردنا نقل اقواله الكفرية لطال بنا المجال”.

بعد هذا الهجوم، يقول شيخو إنه لم يتحامل على جبران “جزافاً أو لغاية شخصية، لكن لواجب الضمير” الذي يدفعه إلى أن يكشف للعموم “دسائس بعض الكتبة، لألا ينخدعوا بشفشفة لسانهم وبهر كلامهم”. وقد عمد هؤلاء الكتبة إلى “تقليد التمدن العصري الباطل”، وتركوا “دين اجدادهم الذي بفضله تهذبوا”، فسخروا منه وصوّبوا سهامهم على معتقداته الجليلة. تلك هي “خطة الريحاني وفرح أنطون وجبران خليل جبران والمتعقبين آثارهم من الشبان، وأكثرهم ينتسبون الى الماسونية ويتشربون روحها”. وهي دعوة إلى “القتال والخلاعة والكفر والالحاد المفضي”، وانتشارها يقود “إلى فساد العباد وخراب البلاد”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*