“الأبونا” لن يعود إلى السّجن… تحيّة إلى الأب هادي العيّا


الأب فادي العيّا

“الابونا” مصرّ. واصراره بحجم نصف قرن على الأقل، بعزم ثائر، مثابر، لم يرضخ، لم يلِن، ولم يتغيّر رغم قساوة الظروف والتحديات. ليالٍ كثيرة امضاها الأب هادي العيا (1962-2017) في السجن، ليس بسبب اي سوء ارتكبه، “بل لرغبته في ان يكون مع السجناء الذين حمل دوما قضاياهم في السجن وخارجه”، في ان يكون ليلهم ليله، وهمهم همّه، وصوتهم صوته.

هالة حمصي
20072017

مخدته اثقلتها معاناة السجناء، من بيروت الى طرابلس والبقاع… في كل لبنان. “زنزانته” الخاصة في سجن رومية صارت ديره، كنيسته، بيته، ناسه، حريته… “النصيب الأفضل” الذي اختاره. صلّى فيها، فكّر كثيرا، هجس في اوجاع السجناء، راجع المخططات، وحلم وتاق. وكلما اشرقت الشمس، خرج ليضاعف العمل، بصوت صمّم على الحياة. “جرّبوا السجناء بالتعليم والتأهيل، وسترون ما يدهشكم”، كان يحلو له ان يقول.

مدهوش كان الاب هادي برفاق السجن، بقدراتهم على الخلق والابداع والتغيير. آمن بهم، بالانسان، الى آخر لحظة. آمن بالقضية الى آخر نفس. “عدل ورحمة”. لم تكن يوما مجرد عبثية او شعارا او تعبئة للوقت، بل فعل ارادة قوي، يومي. وكرّس لها حياته، في دفاع ورع، متواصل، عن حقوق السجناء والمتروكين والضعفاء.

هذا الأنطوني جاء ليبقى

يمكن القول ان شرارتها انبعثت في كيانه يوم ذاق لوعة السجن بنفسه ظلمًا، وعرف الخوف والاهانة والضعف والضياع. العام 1989، اعتقله الامن السوري، خلال توجهه وراهبين اثنين في باخرة شحن الى ايطاليا، لاستكمال دروس في اللاهوت. لم يفهم يوما سبب اعتقاله. جرّب سجن طرطوس… ساعات كأنها دهر. لم ينس ابدا الابونا ذلك اليوم، ولم يخفِ انه اثّر في نظرته الى السجن.

من مفارقات الأمور انه عاد اليه مجددا بعد 3 اعوام. تلك المرة، رافق الاب برنار فاشرو الفرنسي الذي كان يهتم بالسجناء، الى سجن رومية، كمترجم له. هناك وجد ضالته، في ذلك المكان الغارق في النسيان والاهمال، “بين المهمشين والمتروكين”. ومع الوقت، اصبح الدوام يوميا، خدمة على مدار الساعة. هذا الانطوني جاء ليبقى.

راهب منذ فتوته. لم يكن هادي، ابن عائلة العيّا المارونية من بعبدات، تجاوز الـ15 عاما عندما دخل الرهبانية الانطونية المارونية. في 22 تموز 1995، رسمه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير كاهناً في بازيليك سيدة لبنان-حريصا. “وتنقّل في كثيرٍ من أديارِ الرَّهبانية ومؤسّساتِها”، قيّما ورئيسا ومسؤولا ومرشدا ومنشطا. “لطالما كان رجلَ الـمهمَّات الصعبة في خدمة الرهبانية والانسان”، يقول الرئيس العام للرهبانية الانطونية المارونية الاباتي داود رعيدي.

 “عدل ورحمة”

المهمة الصعبة التي بدأها الاب هادي العام 1992 استملكته تلقائيا. 4 اعوام تمرّ، واصبحت الفكرة واقعا: اعلان جمعية “عدل ورحمة” بموجب علم وخبر العام 1997. “عدل ورحمة كلمتانِ قد تلخِّصان سر تكرسه وتفانيه في خدمة الفقير والـمعوز والسجين والمريض والتلميذ واليتيم… في تأسيسه الجمعية، عملَ الاب هادي وشهد لمحبة المسيح اللا محدودة لكل إنسان، فطغت روحانيته على هذه الجمعية، وأخذت حياته في كل مفاصلها، فلم يعدْ يجد وقتاً لذاته”، يضيف الاباتي رعيدي.

(الاب هادي العيا مشاركا في احد التحركات ضد الاعدام)

من البداية، صارح الاب هادي بهواجسه، ولم يستكِن. “كان همّه الانسان وحقوق الانسان وخدمة الضعيف والمهمش”، تقول شقيقته رئيسة القسم القانوني في جمعية “عدل ورحمة” المحامية لينا العيا شمعون لـ”النهار”. اقوى من اي غياب او موت هو، و”كان يثور عندما يرى ظلما في مكان ما، ولا يهدأ قبل ان يجد مخرجا لمساعدة مظلوم او مهمش”.

هذا الشغف “بالعدل والرحمة” ورّطه كثيرا، وزجّ فيه بدوره كثيرين… كأنه عدوى. من بيت جاهز صغير قرب مدخل سجن رومية، اهتم مع فريق عمل صغير بالحاجات النفسية والمادية والحقوقية والاجتماعية للسجناء، وعمل على تأمينها، رويدا رويدا. حتى “الابونا” نفسه تخصّص بعلم الاجتماع، الى جانب نيله اجازتين في الفلسفة واللاهوت، كي يواكب هذه الحاجات ويلبيها. “السجناء يعانون كثيرا”، تسمعه يقول دائما. كان رجل الثقة الذي عرف خبايا السجن وتقلباته واحواله، وأرشد السجناء طوال اعوام طويلة.

معه، نمت جمعيته بهدوء طوال عقدين، تحت انظار السجناء. وتطورت لتشمل حاليا 5 مراكز موزعة في مختلف المناطق ونحو 80 شخصا، بين اختصاصيين ومتطوعين. القضية مستحقة. يصفه عارفوه في الجمعية بانه “مندفع، مثابر، لا يرضخ، لا يدع شيئا يقف امامه”. وتضيف شمعون: “حلمه عاشه وحققه تدريجيا. كان دائم الثورة على الظلم والاعدام، مناصرا لحاجات السجناء وحقوقهم. اتّكل على الله، والله ساعده”.

“الإعدام ليس حلاً”

التأثير الذي كانه الاب هادي تخطى قضبان السجن وجدران الجمعية الى كل بيت وشارع. “يجب وقف عقوبة الاعدام في لبنان، لانها عقوبة بشعة ومروعة”، نادى مرارا وتكرارا. “عقوبة الإعدام ليست حلاً، وهي لم تساعد في الحدّ من الجريمة، بل تزيد عدد الضحايا عبر تطبيقها شريعة العين بالعين والسن بالسن البربرية”.

صريح في رأيه، ومقتنع بان “مسؤولية الجريمة لا تقع على المرتكب وحده، بل المجتمع بكامله مسؤول”. في كل مناسبة كلام، اغتنم الفرصة للتنبيه الى ان “بعض الأمور مهينة (في السجن)، ويجب ألا تبقى. وهناك بعض الأشخاص ابرياء. وحتى لو لم يكونوا أبرياء، يجب أن يعامَلوا برحمة”.

(الاب العيا مسلما الى رئيس الحكومة السابق تمام سلام مذكرة باسم جمعية “عدل ورحمة” للمطالبة بتحسين اوضاع سجن رومية)

الرحمة مجددا ودائما. من بنات افكاره ان “المدمن لديه قدرات هائلة. لكن علينا أن نحبه ونتفهمه”. طالب كثيرا، وواجه بعناد. “يجب تطبيق قوانين اتفاقية التعذيب في السجون. ويجب الا تكون هناك فجوات كبيرة بين القانون وتنفيذه على ارض الواقع”. مناضل، و”حضور أبوي قريب من كل أعضاء الجمعية انعكس بواسطة ابتسامة دائمة لم تفارقه في أحلك أيَّامه وأكثرها ألمًا”، على قول الشدياق يوسف رامي فاضل.

كان أحد المتطوعين في الجمعية، والاعجاب بالابونا و”روحانيته” وقضيته كان فوريا. ويضيف: “لقد عرف كيف يُظهر الخير الموجود في أعتى المجرمين، فتحوَّل العديد منهم فنّانين مبدعين مرهفين. ولم يجد حرجًا في مواجهة السلطة، ساعيا بكلّ طاقته إلى تعديل القوانين وتطويرها، علّه ينجح في تغيير مبدأ السجون من المبدأ العقابيّ إلى المبدأ التأهيليّ والإصلاحيّ”.

“انا مع الحياة”

من البداية، أعلم الاب هادي الجميع، ايا يكونوا، انه “مع الحياة”. المرض الغادر زاد العزم. العام 2010، بدأ معركة اخرى. السرطان. رغم ذلك، “واظب على العمل، وفي الوقت نفسه تابع
العلاج، كأن شيئا لم يكن. ولم يعرف احدا بمرضه”، تقول شمعون.

(محمولا على اكتاف رفاقه الرهبان في مراسم دفنه)

حتى نظرته الى الموت تكمّل صورة الراهب الانساني المحبّ الذي كان عليه. عندما تطرق معه فاضل الى موضوع الموت احد الايام، و”لم أكن اعلم بمرضه، قال لي: أنا أتحضّر للقاء النور بفرح ورجاء”. 7 سنوات… وهمة الاب هادي قوية، صلبة. في الشهرين الماضيين، “قوي عليه جدا المرض”، وأقعده. فهم الابونا، لكنه رفض ان يستسلم، على طريقته. “لم يهدأ حتى وهو في المستشفى، وواصل المتابعات”، على قول شمعون، “وبقي واعيا حتى اللحظة الاخيرة”.

قبل ان يمضي الى “لقاء النور”، كانت لديه مهمة اخرى: سلّم امانة الجمعية رسميا الى الاب الدكتور نجيب بعقليني الانطوني في حزيران. ولم يهدأ. عندما تعالت اصوات منادية بتطبيق عقوبة الاعدام، اثر حوادث القتل المتفرقة الاخيرة، انتفض الاب هادي في سريره رافضا، و”شدد على وجوب معارضة الاعدام”… نضال حتى الرمق الاخير.

الاثنين 10 تموز 2017، اغمض الاب هادي عينيه للمرة الاخيرة. وودعته الرهبانية الانطونية والاهل والاصدقاء في جناز رسمي الثلثاء 11 تموز، في دير مار روكز-الدكوانة، المقر العام للرهبانية. وقد منحه رئيس الجمهورية وسام الارز الوطني من رتبة فارس، تقديرا لعطاءاته. وووري الثرى في مدافن الدير.

hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*