اقتصاد صعب وانقسامات عرقية – مذهبية وضغط أميركي… ثم فوضى؟


سركيس نعوم
النهار
07072018

لن تستطيع السلطة في الجمهورية الاسلامية الايرانية، يقول الصديق نفسه الذي نقل لي ما سمعه من معطيات وتوقعات عدد من معتدليها والمحافظين، أن تقف مكتوفة اليدين في حال تفاقمت الاحتجاجات الشعبية وانتشرت في معظم البلاد. ذلك أن استمرار هذه الحال الداخلية المصدر، واستمرار إدارة الرئيس الأميركي ترامب في صبّ زيت العقوبات والحصار والعزل على النظام لدفعه مضغوطاً الى حوار يضع حدوداً لتوسعه الاقليمي ولتطوير ترسانته الصاروخية والتسليحية المهددة للمنطقة وحلفاء أميركا فيها، ذلك أن كل الاستمرار المشار اليه سيشكل في النهاية تهديداً جدياً للنظام الايراني، وسيقود الى الفوضى في حال مقاومته التغيير. وهو سيمارس مقاومة كهذه لأن أمثلة استسلام الأنظمة في العالم للضغوط الشعبية الجدية وللتمرد والعصيان وما الى ذلك ليست كثيرة. فضلاً عن أن التي منها استسلمت اضطرت الى ذلك لأن “قطاعات” مهمة فيها ساهمت في دفعها الى ذلك سواء إشباعاً لشهوة سلطة أو لتواطؤ مع الخارج القوي وهو معروف أو للإثنين معاً.

انطلاقاً من ذلك تفيد معلومات الصديق نفسه أن نشوء وضع داخلي اجتماعي واسع كالمشار إليه أعلاه لا بد أن يدفع النظام الاسلامي الى استعمال القوة الفعلية والعنفية للقضاء على أي خطر وجودي يتعرض له. وسيتولى “الحرس الثوري” و”البسيج” وحتى الجيش النظامي القمع القاسي بمباركة من السلطة العلمائية التي لها الكلمة الشرعية والقانونية الأولى والاخيرة في البلاد. وقد يكون أشد قساوة من القمع الذي مورس في أثناء التظاهرات التي انطلقت قبل أشهر من مشهد المقدسة وانتشرت.

ماذا ستكون نتيجة التصدي والقمع للتظاهرات الشعبية الاحتجاجية الواسعة؟ هناك نتيجتان فقط ولا ثالثة لهما. إما نجاح السلطة بشقيها العلمائي والعسكري في إنهاء الاحتجاجات أياً تكن كلفة ذلك إنسانياً، وإما وقوع البلاد في الفوضى بحيث يصبح انجرارها الى عصيان فتمرد شعبيين مدعومين إعلامياً وسياسياً، وربما بوسائل عملية أخرى من محيطها والعالم المعادي لها، أمراً محتملاً جداً. لكن المخيف هو تطور الاثنين الى حرب أهلية وخصوصاً اذا تداخلت مع أسبابها الاقتصادية والمعيشية والفسادية (من فساد) أسباب أخرى مزمنة منها شعور الجماعات السنية العرقية أن فرصة تحررها من نظام اشتكت من ضمه لها وحرمانها حريات أساسية تكفلها لها المواطنة قد بدأت تلوح في الأفق ولا بد من استغلالها (البلوش والأكراد). ومنها أيضاً شعور الأذريين وهم شيعة وجزء من النظام الاسلامي والمطالبين بوضع أفضل من الأقليات المشار اليها، أن الوقت حان لمساواة حقيقية مع أشقائهم الفرس – الشيعة. ونسبة عدد هؤلاء تراوح بين 25 الى 30 في المئة من عدد سكان إيران. ومنها ثالثاً العرب الايرانيون الشيعة في معظمهم الذين يشتكي بعضهم من معاملة غير منصفة لهم، والذين صاروا ومنذ مدة طويلة هدفاً لتدخلات من دول عربية تناصب إيران العداء وتخوض معها حرباً سياسية مباشرة وحرباً عسكرياً وأمنية بالوكالة.

والأكثر إثارة للخوف والقلق هو تفكّك الدولة الايرانية، علماً أنه احتمال ضعيف. لكنه قد يقوى إذا انقسم شيعتها الذين يشكلون أكثرية كبيرة جداً من شعبها على أساس عرقي. وعندما يشكك أحد في هذا الاحتمال باعتبار أن الأذريين وهم أكبر أقلية عرقية في البلاد جزء أساسي من النظام وبدليل أن الولي الفقيه والمرشد آية الله خامنئي ينتمي إليها، يردّ الإيرانيون المنتمون الى نظامهم الاسلامي وإن من مواقع مختلفة بالآتي: إن خامنئي وغيره من أذرييه يفكرون بعقل فارسي. والأكثر إثارة للخوف والقلق أيضاً هو أن حصول التوقعات المتشائمة المفصّلة أعلاه سيعمّم الفوضى وما يرافقها من اشتباكات قد تستمر سنوات في حال تطورها. إلا إذا وضع “العسكر” أي “الحرس” و”الجيش” و”البسيج” والتشكيلات الأخرى يدهم على السلطة. طبعاً أثبتت هذه المؤسسات الأمنية والعسكرية، منذ نشوء الجمهورية الاسلامية الايرانية ورغم انتقال قيادة كل منها من مسؤول الى آخر، ولاءها لها ولدستورها وللمقرر الأول المرشد والولي الفقيه. ولم يحصل أن عرف العالم حالة احتجاجية أو تذمرية فيها رغم معرفتها أنها هي التي تحمي النظام الاسلامي، ومعرفتها أيضاً أن شرعيتها الدينية والسياسية تأتي منه وتحديداً من مرجعيته الدينية الأولى. في أي حال لا يجوز الخوض أكثر في هذا الموضوع تلافياً للانتقال من “المعلومات والمعطيات” والتحليل في آن الى التحليل فقط. فالهدف من نشرها ليس خدمة أعداء إيران الاسلامية ولكن دفع المؤمنين بها من داخل وخارج الى التبصّر. ذلك أن أثار أي تطوّر ضدّها من جمهورها أو قسم منه لن يقتصر عليها وحدها. فهي دولة إقليمية مهمة بل كبرى وهي تعتقد أنها عظمى. وبصفتها هذه لها نفوذ مباشر سياسي وأمني وربما عسكري في دول عربية عدة ووجود في قلب العالم العربي، هذا فضلاً عن نفوذها الذي لا يُستهان به في آسيا “المسلمة” وفي افريقيا وفي الأميركيتين بل في دول عدة من العالم.

هل في معلومات الفريق نفسه ما يشير مباشرة أو مداورة الى موعد حصول التوقعات التي سمعها في إيران ومن أبناء لنظامها الاسلامي، والتي قد يعتبرها الكثيرون تبصيراً أو “ضرباً بالرمل” أو تمنيات مبنية على غضب أميركا ترامب عليها، ورهان إدارته وفي مقدمهم وزير الخارجية بومبيو على تغيير جذري من داخلها رغم تأكيدها أنها لن تقوم بذلك مباشرة؟ يبدو أنه يمتلك بعضاً منها. لكنه لا يفصح عنها رغم إشارته الى أن الموعود قد لا يكون بعيداً جداً. ويكتفي بالاشارة الى نتائجها الخارجية. ما هي؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*