اخبار عاجلة

اقتسام بحر قزوين “تجرجره” روسيا وإيران!

سركيس نعوم
النهار
30082018

المعلومات والمُعطيات التي توافرت في السنوات السابقة لعدد من مراكز الأبحاث الجديّة في الولايات المتحدة عن “الحال” بين الدول المُطلّة على بحر قزوين، وهي روسيا وأذربيجان وإيران وكازخستان وتركمانستان، تشير إلى أنّها أمضت قرابة 20 سنة وهي تحاول التفاوض على اتفاق يُنظّم ملكيّة هذا البحر والمناطق المحيطة به. وكان رأي معظمها أن روسيا ستحاول منع الدول “الأوراسيّة” المُجاورة من إنشاء خط أنابيب عابر له. والدافع أنّه يُعرّض للخطر السيطرة الروسيّة الحاليّة على تصدير الطاقة إلى أوروبا. ورغم ذلك اجتمع قادة الدول المذكورة أعلاه في الثاني عشر من آب الماضي في مدينة “أكتو” الكازاخيّة ووقّعوا أخيراً معاهدة أو اتفاق ينظّم الملكيّة المُشار إليها. لكن السؤال الذي طرحته بعد التوقيع دول عدّة وباحثون كثيرون كان: هل سيستمر الخلاف بين الدول المُوقّعة ولا سيّما مع روسيا حول موضوع الطاقة (نفط وغاز)؟ والجواب الذي قدّمه مركز أبحاث عريق وجدّي كان أن الاتفاق لن يحلّ المناقشات الاختلافيّة المُعقّدة والصعبة بين هذه الدول. ذلك أن بحر قزوين هو جسم مائي كبير استراتيجي من الناحية الجيوسياسيّة بسبب موقعه وموارده أو ثرواته في آن. فهو يقع بين أوروبا وآسيا، وكان تاريخيّاً ممرّاً (كوريدوراً) للتجارة والترانزيت بين القوى الشرقيّة والغربيّة. وقد أصبح أكثر أهميّة في العصر الحديث بعد اكتشاف موارد الطاقة فيه والمقدّرة بنحو 50 مليار برميل نفط و9 تريليون متر مكعّب من الغاز الطبيعي. ومن الطبيعي أن تستخدم الدول المُشاطئة له مزاياه الاستراتيجيّة. وروسيا وإيران هما من بين مُنتجي الطاقة في العالم وُمصدِّريها. كما أن كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان تنتج بدورها كميّات مٌهمّة منها. وفي أي حال ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي الذي جعل الدول الثلاثة المُشار إليها مستقلّة ومنافِسة في المنطقة بدأ الجدل بشدّة وعنف أحياناً بين الدول الخمس المُجاورة لقزوين حول رسم حدودها البحريّة. وحدّ ذلك من قدرتها كلّها على استغلال موارده.

 على ماذا كان الخلاف الأساسي؟ والجواب، استناداً إلى المركز نفسه هو أن الموضوع الرئيسي المسبّب له هو تصنيف بحر قزوين من الناحية القانونيّة، أي هل هو بحر أو بحيرة؟ إذا كان بحراً يستوجب تقسيمه حصصاً مدّ الحدود من شاطئ كل من الدول نفسها إلى نقطة تقع في منتصف الجسم المائي. أمّا إذا كان بحيرة فإن قزوين يُقسَّم بالتساوي بينها. وحتّى الآن لم يمنع الخلاف أو النزاع الدول المُحاذية له من الوصول إلى مصادر الطاقة القريبة من شواطئها. لكن ذلك أوقف أو بالأحرى أخّر تقدّم البحث في أي مشروع لإنشاء خطّ لأنابيب يمرّ في قزوين.

على ماذا اتّفق المجتمعون في أكتو” الكازاخيّة إذاً؟

منذ العام 1996 ودول بحر قزوين تعقد “قُمماً” لمناقشة كل شيء بدءاً من موضوعات السلامة البيئيّة ومروراً بحقوق الصيد وانتهاء بالتعاون الأمني. وفي أثناء القمّة السابقة عام 2017 أعلنت الدول الخمس أنّها أنجزت نحو 90 في المئة من أساس اتفاق حول ملكيّة البحر. وقد أفادت مسوّدة اتفاق أو معاهدة وضعها رئيس وزراء روسيا ميدفيديف على “الوبسايت” الخاص به قبل القمّة الأخيرة في 12 آب الجاري، أن القادة وافقوا على الاعتراف بقزوين بحراً أكثر منه بحيرة. والاتفاق الذي وُقّع في القمّة الأخيرة أكّد أن سطحه سيُصنَّف بحراً قانوناً. ويعني ذلك أن كل دولة مُشاطئة له تُسيطر على 15 ميل بحري منه بدءاً من شواطئها ولها الحق في التنقيب داخلها عن المعادن، وعلى 25 ميل يمكن الصيد فيها. واعتبر الاتفاق أن الأجزاء الأخرى من قزوين تعتبر مياهها مُحايدة مُخصّصة للاستعمال المشترك. واتّخذت القمّة نفسها أيضاً قرارات أمنية مُهمّة مثل منع السفن الحربيّة غير التابعة لدول قزوين من دخوله. واعتبر ذلك هديّة لإيران وروسيا القلقتين دائماً من الوجود الأميركي والأطلسي فيه، ومن ازدياد النفوذ الغربي بواسطته في المنطقة ولا سيّما في أذربيجان. علماً أن ذلك لا يعني منع الشحنات العسكريّة من عبور قزوين. في اختصار، يُتابع مركز الأبحاث العريق نفسه، لا تزال قضايا عدّة من دون تسوية، مثل تحديد قعر البحر حيث موارد الطاقة (نفط وغاز)، وحلّها قد يكون عبر مفاوضات ثنائيّة بين الدول الخمس المُشاطئة له. هذا فضلاً عن تقديم بعضها اقتراحات باجتماعات أخرى خلال ستّة أشهر أو أقل، الأمر الذي يوحي أن اتفاق 12 آب الموقّع لا يزال قابلاً للتكيّف مع مُتطلّبات جديدة أي بصراحة للتعديل.

ما الذي يحول دون اتفاق نهائي بين دول قزوين؟

رفض رسيا وإيران اتفاقاً كهذا بسبب مصالحهما النفطيّة والغازيّة. فتقسيم البحر ستكون إيران أكثر خسارة فيه من غيرها كون حدودها القزوينيّة أصغر من حدود الدول الأربع الأخرى. أمّا روسيا فإنّها تخشى أن يسهّل الاتفاق مشروع إنشاء خط أنابيب عابر لقزوين، ذلك أنّه يوصل غاز تركمانستان بأذربيجان الأمر الذي يسمح بتصدير غاز طبيعي إلى أوروبا بكميّات كبيرة. وذلك يُقلّص صادراتها من الغاز إلى “القارة العجوز” ولذلك ستحاول الدولتان “جرجرة” المباحثات النهائيّة معاً حول قزوين. ويعني ذلك أن الاتفاق أو المعاهدة التي وُقّعت أخيراً في “أكتو” لم تتضمّن الكلمة النهائيّة حول تقسيم قزوين حصصاً، ويعني أيضاً أن روسيا وإيران قد تتفاوضان على بروتوكول ثنائي لإدارة الجسم المائي لقزوين من أجل المحافظة على مصالحهما الاستراتيجيّة في مجال الطاقة.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*