اعترافات ثلاثينية عزباء

نيروز مناد
النهار
13072018

اعترافات ثلاثينية عزباء (تعبيرية- بيكاسو).

يُخيَّل إلى بعض الذين يعرفون أنَّي دخلتُ عامي الثلاثين من دون زواج، أنّي أحفظ كلّ أغاني الوحدة وسوء الحظ وضياعِ النّصيب، وأستمع إليها كلَّ ليلة قبل النّوم، في حين يعتقدَ معظمهم أنَّي لا أنام أصلاً.

ليست جملة، “عقبى لكِ”، هي أسوأ ما أسمعه. ففي الحقيقة هناك جملةٌ أكثر إبداعاً تقال فوراً حالَ معرفةِ أنَّي ثلاثينيةٌ عزباء “ليش ما تزوجتِ لهلأ؟”؟

لم يكن لديَّ إجابةٌ مقنعة لهم. فقولُ إني في انتظار السّيد دارسي سيكون إحدى علامات الإصابة بالجنون بالنّسبة إليهم. وقولُ إنَي أفكر جدياً في كتابةِ روايةٍ مهمةٍ تحتل جزءًا أكبر من موضوعٍ الزواج في تفكيري سيكونُ ترفاً في غير مكانه.

لذلك أنا ألتزم الصّمت مع ابتسامةٍ بلهاء تفسر عادةً “نعم أنا عزباء وأنا حزينةٌ جداً”.

لم أعتد مشاركةُ أفكاري حول الزّواج مع أحد وخاصةً صديقاتي المتزوجات اللواتي يفسرن أي نظريةٍ لا تصل إلى الزواجِ قبل الثلاثين مجرد “فزلكة” لا معنىً لها، أغطي بها فشلي في الحصول على لقب “مدام”.

لكنّي في نهاية الأمر وجدتُ نفسي مضطرةً لإنهاء حمّى التساؤل عن سبب بلوغي الثلاثين بلا زواج.

حدث ذلك منذ أيام حينَ سألتني صديقةٌ درسنا معاً خلال المرحلة الثَّانوية عن سبب تأخري في الزواج.

صمتُّ لثوانٍ وأنا أفكر بين إجابتين فقط: الحقيقة أو الإجابة المعتادة. لكني في النهاية قررتُ اختيار قول الحقيقة وتركِ أمر التَّفسير جانباً. فأنا لستُ عانساً. لم أكن ولن أكون:

“قرأتُ في العام 2005 رواية “الآن هنا” للكاتب عبد الرّحمن منيف، ومنذ ذلك اليوم قررتُ كتابةَ رواية بتلك الأهمية. لم أكن يومها واثقةً من امتلاكي ما يلزم لذلك، لكنَّي قررتُ أن أقرأ أي كتابٍ يشعل في داخلي ذلك الحلم حتَّى أبلغه. وفي العام 2010 قرأتُ روايةَ “الجريمة والعقاب” فاكتشفتُ عالماً لم أكن أعرف عنه شيئاً وهو عالم النَّفس البشرية. لماذا نفعل ما نفعله؟ كيف نفعله؟ وكيف يؤثر كل شيء حولنا فينا؟ الأهم من هذا وذاك، كيف يكتب أي بشريٍ كتاباً بهذه الروعة؟

منذ تلك اللحظة، لحظة الاكتشاف العظيم، قررتُ اكتشافَ نفسي أكثر، فسألتُ نفسي: لماذا قد أتزوج؟ في تلك المرحلة تذكرتُ أنَّي رفضتُ الزواج التّقليدي دائماً لأني أردتُ الحب لكني لم أجده. فأنا في الحقيقة أردتُ شخصاً يشبه الشَّخصيات التي عشتُ معها طويلاً خلال اكتشافي القراءة. مع مرور الوقت أصبح الاختيارُ أصعب. فهذه الشّخصيات ليست موجودةً بيننا، وفي الحقيقة هناكَ خدعةٌ في الأمر. فالرّوايات لا تقدم لنا تفاصيل الشّخصية على مدارِ اليوم.

مثلاً هل أخبرتنا جين أوستن أنّ السيد دراسي قد ينظّف أنفه بإصبعه كما يفعل معظم الرّجال؟ لم تفعل. ولم تكن لتضيف تفصيلاً كهذا على شخصيةٍ وصفتها بالوسامة والاتزان!

هل أخبرنا دوستويفسكي أنَّ راسكولينكوف يصدر صوتاً مزعجاً خلال المضغ؟ إَّنها شخصياتٌ روائية ولن نجد لها سمات تشبه من نقابله في الحياة. لكن، هل هذه السلوكيات تُبطلُ الزواج؟

بالنّسبة إليَّ، لا تفعل، لكنّها تجعله جحيماً لا تطاق.

أنا لم أرفض الزواج خوفاً من العيش مع رجلٍ من تلك الطينة، لكنّي أردتُ رجلاً يجعل من وجود هذه التفاصيل أمراً محتملاً، عدا كوني أخافُ الارتباطَ برجلٍ من أولئكَ الذين لا يريدونَ من الزواج إلا الجنس والتَّكاثر وتناول طعامٍ بلذةِ ما كانت تصنع والدته.

أردتُ دائماً رجلاً يمكن الاعتمادّ عليه في كل شيء؛ رجلاً سيبقى إلى جانبي مهما حدث. وجود أخي الأصغر كانَ عقبةً إضافيةً في طريق الزّواجِ بسهولة. فأنا أردتُ رجلاً يشبهه فهو يحب الشِّعر والموسيقى، ويكتبُ أجمل رسائل الغزل ويسمعني باهتمام كما أنَّه يحضر فوراً عند الحاجة إليه ولم يسبق أن خذلني يوماً”.

لم يبدو على صديقتي التَّأثر بما قلت، لكنَّها ابتسمت على كل حال وغيّرتِ الحديث بطريقةٍ تعني “حاج تتفزلكي مشان الله. عنستِ ومشي الحال”.

مرَّت على ذلك الاعتراف أيام ما زلت خلالها عزباء، لكنَّ شيئاً ما تغيّر إلى الأبد: أنا ثلاثينيةٌ عزباء ولا تحزنني الوحدة بقدر ما يحزنني تصنيفي كصاحبةِ إعاقةٍ بلا رجل.

أنا ثلاثينيةٌ عزباء، لكنّي بخير فعلاً ، ولا أزال أؤمن بأني أستحقُ الأفضل ولن أرضى بأقلَّ منه لأحظى بلقب “مدام” وألتحق بقافلة المتذمرات من الزواج والسّعيدات بكونهنَّ وجدنَ زوجاً يتذمرنَ منه على كل حال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*