اصطراع حضارة، لا صراع حضارات


سمير عطاالله
النهار
19072017

في الظهور الأول لـ”دولة الخلافة” قال باراك أوباما وهو يتثاءب، إن القضاء على داعش سوف يستغرق خمس سنوات. وبعد فترة صحح وزيره الأول، جون كيري، توقعات سيده من دون الإشارة إليها، بالقول إن المسألة سوف تنجز في سنتين. الأسبوع الماضي، وفي السنة الثالثة، انتهى الفصل الأول، ليس في “داعش”، بل في الجغرافيا التي اقتُطعت من العراق وسوريا لإعلان “دولة الخلافة”، فوق مساحة في حجم الأردن.

لم تكن هناك فرصة أفضل أمام الخليفة الجديد: الجيش العراقي الحديث شبه منهار، والجيش السوري موزع على كل الجبهات، والفوضى الكبرى في كل مكان. قدَّم ابو بكر البغدادي نفسه في أفضل عرض تكنولوجي متطور. كل الحركات في العالم قامت من أجل السير بالشعوب إلى الأمام. أما “داعش”، فكانت دعوته إلى ما قبل الماضي. ما من ماض يشبه هذا الزعم.

وبعكس اسامة بن لادن، الذي ظل في الصورة الدعائية يملأ قناة “الجزيرة” على نحو شبه يومي، اختفى البغدادي بين مقاتليه، وترك للكاميرا أن تعبر عنه: طيار اردني يُحرق في قفص، بريطاني عملاق (جهادي جون)، يحز رأس ضحيته على الشاشة، وجزار آخر يقطع رؤوس مجموعة من العمال الأقباط في ليبيا.

عرض “داعش” في حدود دولته، الصورة التي كانت أُعدَّت له قبل فترة، كما عبر عنها كتاب بعنوان “ادارة التوحش”. خلاصته أنه سوف يأخذ العالم بالإرهاب والرعب. ليس بدءاً باسرائيل، ولا بالغرب المسيحي، ولا بالمشركين، بل بالمسلمين المتقاعسين عن الفهم الأصيل للدين.

وقفت المؤسسة الاسلامية مرتبكة أمام ظاهرة لم تألفها في التاريخ. وراحت الدول الاسلامية تتأمل جيداً في مدنها وقراها لكي تتبين مدى انتشار الظاهرة. ودبَّ الخوف في روسيا الاتحادية التي كان الاسلام المقاتل قد هزم قبلها في أفغانستان، روسيا السوفياتية. ليس من الممكن تكرار تجربة الشيشان مرة أخرى. ليس في امكان بوتين أن يفعل ذلك مرتين، ولذا، فإن عليه أن يخوض حرب التطرف في الخارج، محصناً في الداخل نحو 20 مليون مسلم روسي. اوباما استمر في دراسة الوضع من جميع جوانبه. كافة.

غيَّر “داعش” خريطة الاستقرار العالمي. وإذ تزول دولته ما بين الموصل والرقة، يدب الرعب في كل مكان خوفاً من الضربة المقبلة. فكما ولد “داعش” من “القاعدة”، قد يولد من “داعش” اكثر عنفاً وظلاماً. شائك أن تحارب الجيوش النظامية فلول الجيوش السرية المهزومة. وعلى رغم الفشل الميداني الذي أخّرته بلادة باراك اوباما الجافة، فإن قوى “داعش” وأمواله، لن تزول في وقت قريب. لقد تُرك يصنع ثروته في هدوء، من تجارة النفط إلى ابتزاز الأهالي، اضافة طبعاً الى تدفق “التبرعات” من المرغمين.

تحسن العودة في هذه المرحلة الشديدة القتام، إلى عالمين من علماء العرب اللذين كتبا تحت عنوان واحد: “الفتنة الكبرى”. الأول الدكتور طه حسين، الثاني المفكر التونسي الكبير الدكتور هشام جعيط. يلتقيان عند أن السياسة مزقت العرب، ومن ثم المسلمين، منذ وفاة الرسول. وعلى رغم قيام الفتح، ظلت النزاعات تمزق وتشتت. جعل الأمويون رايتهم بيضاء، فجعل العباسيون رايتهم سوداء. والاندلس، الذي هو غرة الامبراطورية، لم يضِع في الحروب مع الاسبان، بل في حروب ملوك الطوائف.

دخلت الأمة في جمود أكبر عندما دخل العالم الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وبقيت هي خارجاً (1). وقسمت الثورة الصناعية العالم قسمين، ثانيهما ما سمّي تلطيفاً ولياقة “الدول النامية”، وقد شكلنا الجزء الأكبر منه.

عندما اندفعت الأمم للاندماج في العالم الصناعي، كانت الامبراطورية العثمانية تمنع على رعاياها وسائل الطباعة ونشر العلم، باعتباره الخطر الأكبر على استمرار السلطنة. بقي العرب خارج الدائرة الصناعية، وفقدوا التجارة التي ساهمت في صنع امبراطوريتهم. وتنسب “المقامات” الى أحد التجار قوله “أريد أن أرسل الزعفران الفارسي الى الصين، حيث يقال إن سعره مرتفع. ومن ثم اشحن الفخار الصيني الى اليونان، والتطريز اليوناني الى الهند، والحديد الهندي الى حلب، والزجاج الحلبي الى اليمن، والقماش اليمني الى فارس”.

كان عدد من اللبنانيين ينتقدون النفسية “المركنتيلية” عندنا. والغريب ان طليعة نقادها كانوا من التجار “فول تايم”. ولكن في هذا الوقت القليل اكتشفوا ان علّة لبنان الكبرى هي “المركنتيلية”.

التجارة صنعت المال، والمال صنع الامبراطوريات. و”شركة الهند الشرقية” هي التي انشأت الامبراطورية البريطانية، وليس – ويا للأسف – شكسبير، ولا شاعرها روديارد كيبلنغ.

التجارة الاسلامية كانت تعني اقامة الحواضر، ثم المدن الكبرى، وكانت غرتها بغداد، التي ظلت من العام 762 الى حين وصول المتوحشين المغول العام 1258 “مدينة النور”، أكبر وأغنى وأسعد مدن العالم. عندما تشاهد بحار الركام والانقاض في سوريا والعراق وليبيا، يُخيّل إليك أن هولاكو معاصر بُعث من جديد. “ادارة التوحش”! في صخب احتفالات الموصل، فاتنا ان بنغازي أنهت في اليوم نفسه حربها مع “داعش”. لا تطلقوا رصاص الابتهاج. لا تزال هناك طرابلس ودرنة وصبراته وغريان ومصراته وما يليها.

إذا كنت تؤمن بنظرية المؤامرة، لاحظ – أسعد الله أوقاتك – التوقيت: الموصل وبنغازي والهدنة التامة في حوران، والتقدم الاميركي الكردي في الرقة. ولاحظ تغير البيانات واللهجات والمصطلحات بعدما ابرم دونالد وفلاديمير ما اتفق عليه لافروف وتيلرسون.

كل شيء سوف يبقى في مكانه، لكن يا لبؤس الأمكنة. هل تعرف من كان يسمى “ام الربيعين” (2)؟ الموصل يا مولاي. هل تذكر اين شاهدتَ من قبل عائلة هاربة ومتاعها محمول على عربة خضار، واصحاب العربة محظوظون لأن بقية القافلة ليس لديها عربة خشبية؟ في الفيتنام يا مولاي، ايام القصف الاميركي بالنابالم.

لا نعرف مدى اعداد الذين لن يعيشوا حياة طبيعية بعد اليوم. لا أقصد فاقدي الاطراف وفاقدي البيوت والارزاق والكرامات، بل مرضى الذل والرعب واليأس واصوات الاستغاثة. أقصد الذين لم يعودوا يعرفون من أكثر رحمة من الآخر: الارهابي أم منقذهم من الإرهابي؟ أعد قراءة الكتب (أو الصور) عن فرصوفيا ودرسدن وبرلين وسايغون وخي سانة. أعد. وسوف تجد ان البعض كان يفضل الموت بالنابالم.

كل الامثلة الواردة اعلاه كانت بين اعداء في حروب عالمية. الموصل والرقة وبنغازي وسرت وحلب وحمص، حروب بين “الأهل” و”الأشقاء”.

سَخر العرب من صامويل هانتغتون عندما حذر من صراع الحضارات. وكانوا على حق. فالذي حدث هو اصطراع حضارة واحدة، ما بين سنّة وشيعة، وعرب وفرس، واتراك واكراد وتركمان، وسائر الاقليات.

(1) Grammaire des Civilisations – Fernand Braudel.

(2) انعام كاجه جي، “الشرق الأوسط، 9 تموز”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*