استقالة قد تنقذ العهد

مروان اسكندر
النهار
17112017

استقالة سعد رفيق الحريري، دونما نظر الى شكلها والاصرار على انها غير محققة ما لم تأخذ المجرى المعتاد، هي بالفعل من أشجع مبادرات رجال السياسة في لبنان، وتوقيتها مفيد لان العهد المأمول منه الكثير لم ينقض عليه سوى سنة والفرصة متاحة في كل من السنوات الخمس المتبقية للتصدي للانجاز، واعادة لبنان الى مستوى الدول الحضارية على صعيد البيئة، وتطبيق القانون، ورعاية حقوق المواطنين، وتطوير فرص العمل والسير قدمًا.

التوقيت مناسب لاستعادة التعاون بدل المناكفة بين أرباب الحكم لان السبب الرئيسي الذي دفع الرئيس الحريري الى الاستقالة كان موضوع معالجة قضية النازحين السوريين. فهذه القضية ذات أوجه عدة واستمرارها من دون برنامج واضح مبني على خطة تضعها مختلف هيئات الامم المتحدة وتنفذ في إشراف دولي يؤدي أو يمكن ان يؤدي الى تفجر أوضاع مؤذية في لبنان.

ممثلة الامين العام للامم المتحدة السيدة سيغريد كاغ التي استقالت لتولي منصب وزاري في هولندا، شاءت قبل مغادرتها لبنان الافصاح عن المخاطر والضغوط المرافقة لتزايد اعداد النازحين وتردي شروط الايواء سنة بعد سنة لان الموارد، ولو كانت تبدو ملحوظة من المنظمات الدولية، غير كافية لتأمين المسكن المقبول، والعناية الطبية، وفرص الدراسة لجيل من الاطفال لا يجوز ان يفوته تلقي العلم.

توضح كاغ ان خسائر لبنان كبيرة من استمرار الاقتتال في سوريا سواء على صعيد التصدير، أو استقبال السياح، أو المعاملات المالية والمشاريع المشتركة. وقدر البنك الدولي هذه الخسائر منذ 2013 بـ2.6 ملياري دولار سنويًا يضاف اليها 800 مليون دولار تمثل وقع تكاليف تأمين المياه، والعناية الصحية، والكهرباء، وفرص الدراسة للنازحين السوريين على موازنة الدولة. وحيث ان كلفة عجز الكهرباء تقتطع من معدل النمو 1.5 في المئة سنويًا، فإن اضافة حساب الخسائر المشار اليها تبين انها تنتقص من النمو 3 في المئة سنويًا، فإذا كانت الاوضاع مستقرة والاعباء معدومة يمكن ان يحقق لبنان نموًا بمعدل 5 في المئة سنويًا، حتى قبل تجاوز عجز الكهرباء، وان فعلنا ذلك، أي عالجنا قضية الكهرباء بتشجيع مصادر الطاقة البديلة المستدامة، يمكننا ان نستعيد معدل نمو يتجاوز 6 في المئة سنويًا، وهو معدل يفسح في مجال استيعاب الطاقات الشبابية.

حذرت كاغ من ان ارتفاع نسبة السنة بين النازحين يمكن ان تقلب التوازن المذهبي في لبنان، وان تؤدي في حال حصول مواجهات سنية – شيعية الى حرب اهلية جديدة بالتأكيد، وبالطبع ليس من لبناني يريد اقتتالاً كهذا. وخوف كاغ هو من استمرار تجمع وتزايد النازحين بالولادات مدى سنوات، وهنا تبرز الحاجة الى الدور الدولي في معالجة قضايا النازحين وضرورة بدء عملية توجههم الى المناطق الآمنة التي يتسع نطاقها يومًا بعد يوم في سوريا.

ثمة مؤشرات لبدء انخفاض وتيرة الاقتتال في سوريا على رغم حوادث تبدو كأنها تهدف الى التفجير من جديد، وهنالك ثلاثة اسباب تدعو الى الاعتقاد أن اسوأ ايام الاقتتال في سوريا قد ولّت.

اولاً: أعلن الرئيسان بوتين وترامب من اجتماع دول “آسيان” في تايلاند يوم 12 تشرين الثاني ان الحل في سوريا لا يمكن ان يكون سوى سياسي، فالحل العسكري لا يجوز اختياره.

ثانيًا: ترحيل مقاتلي “داعش” و”جبهة النصرة” من لبنان أواخر أيلول المنصرم مع عائلاتهم الى مناطق تنتشر فيها قوات اسلامية مناهضة للحكم، من دون تهديد للمقاتلين وبينهم أجانب، واشراف مقاتلي “حزب الله” على العملية وتأمينهم وسائل النقل المريحة، أمر يشير الى توقع انتهاء الاقتتال واختيار توسيع مناطق التعايش من جديد.

ثالثًا: استناداً الى ما أوردته مصادر الـ”بي بي سي”، فإن عملية نقل مقاتلي “داعش” من الرقة الى مناطق جنوب شرق الرقة في الصحراء السورية في إشراف وتعاون القوات الكردية المعززة بفصائل اسلامية سنية ورعاية اميركية، تدل ايضًا على توقع انتهاء الاقتتال ولو تدريجاً في المستقبل القريب.

ان هذه التطورات المتلاحقة والتي برزت خلال أقل من شهر قد تفسح للبنان في فرص استعادة امكانات التصدير، وقد تسهل امكانات الاتفاق بين الفريق المؤيد لسعد الحريري، وقد ظهر انه أوسع بكثير من “تيار المستقبل” وحده، والطاقم السياسي لـ”حزب الله” من أجل بدء عودة النازحين تدريجاً الى سوريا، ونقول تدريجاً لان اعادة 50 في المئة او اكثر منهم الى سوريا خلال سنة غير ممكنة وغير واقعية، ونوفر مثلاًً على ما نقول.

لجنة “الاسكوا” التي بذلت جهودًا مستمرة وكرست كفايات 140 خبيراً سورياًً لتقويم خسائر الحرب السورية، تقدر خسائر الاقتتال حتى نهاية 2016 باكثر من 327 مليار دولار، منها 100 مليار دولار تمثل خسائر مادية والقسم الاكبر يمثل خسائر في الدخل القومي الذي أصبح حجمه اليوم 26 في المئة فقط مما كان عام 2010.

ورقم الـ100 مليار دولار لا يبدو انه يفوق طاقة السوريين على اعادة الاعمار، لكنه بحد ذاته لا يوفر الصورة عن امكانات اعادة الاعمار عملياً. وعلى سبيل التوضيح، الركام المتجمع في حلب بسبب الدمار يقدر بـ14.9 مليون طن، ونقل هذا الركام يحتاج الى ست سنوات من العمل المتواصل على النقل، وبالطبع لن يكون من الممكن بدء اعادة الاعمار الا في المناطق التي يتحقق فيها نقل الركام. وهذا الامر ينطبق على دمشق وضواحيها حيث الركام لا يزيد على مليوني طن ونقله لا يستغرق أكثر من سنة، أما في حمص فالركام يقدر بـ4.5 ملايين طن ونقله يستغرق سنتين على الاقل.

لقد أجريت مقابلات استقصائية مع آلاف النازحين في جنوب لبنان وسهل البقاع لمعرفة مدى رغبتهم واستعدادهم للعودة، وظهر ان 85 في المئة منهم يرغبون في العودة السريعة، لكن الطلب الاساسي للنازحين هو العودة الى سوريا آمنة، آمنة بمعنى تخطي النظام الممارسات التعسفية والظالمة التي اسهمت في تفجر الاوضاع. والنازحون لا يثقون بهيئات سورية فقط لتأمين الأمان والامن، بل يريدون سلطات أجنبية ضامنة ومن اهم هذه حسب آرائهم روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وزعماء الدول الثلاث يؤيدون مواقف سعد الحريري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*