استفتاء كردستان: الاستقلال بعد التفاوض مع بغداد!

كاتبة صحافيّة ومحللة سياسية لبنانيّة.
الشرق الأوسط
متى يكون الوقت مناسباً لإجراء استفتاء على الاستقلال؟ الجواب يحدده من يوجه إليه هذا السؤال في كردستان أو في كاتالونيا. فالذين يتطلعون إلى الإعلان عن أمتهم، ليس هناك وقت أفضل من الحاضر كي يقرروا مصيرهم بأيديهم، ويغيروا مسار التاريخ. في المقابل، هناك القادة الوطنيون الذين يتمسكون بالحدود القائمة، ويريدون الحفاظ على وحدة الأراضي فيجدون دائماً أسباباً وجيهة لمعارضة هذه التحركات. لكنه الحق بالحرية والاستقلال، وسيظل مشتعلاً.
بعيداً عن الحجج الدستورية، التي لم تُطبق منذ وضع الدستور، يرى المعارضون في بغداد والخارج أن الاهتمام يجب أن يركز أولاً على هزيمة «داعش»، مع العلم أن القوات الكردية لعبت وتلعب دوراً حاسماً في هذه الحرب التي قال محمد رعد، النائب في البرلمان اللبناني عن «حزب الله»، إنها انتهت، وإن حزبه يعيش الآن زمن الانتصار تلو الانتصار.
من شأن استقلال كردستان أن يكشف هشاشة الدولة العراقية الخاضعة للنفوذ الإيراني، ويزيد من حدة الانقسامات بين السنة والشيعة. نتذكر كيف أن إيران وتركيا هبّتا لمساعدة قطر خلال الأزمة الخليجية، لم يصدّق أحد بالطبع أن موقفهما مبدئي وليس موجهاً ضد دول الخليج العربي وضد مصر، والدولتان أسرعتا إلى فرض الحصار على كردستان بمجرد تطلعها إلى الاستفتاء، وأثبتتا ما يعرفه الكرد: «أن لا أصدقاء لنا سوى الجبال».
تعارض تركيا وإيران، وهما لاعبان إقليميان أساسيان لهما مشاكلهما مع الأقلية الكردية، تعارضان بشدة أي دولة كردية في العراق، ويعود جزء من هذه المعارضة إلى رغبة كل منهما في السيطرة على الثروة النفطية في الإقليم. قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم الاثنين الماضي إن أنقرة ستغلق معبر خابور الحدودي مع شمال العراق خلال الاستفتاء، وهدد الأكراد بعرقلة تصدير نفطهم: «الحنفية لدينا، ولحظة نغلقها، ينتهي كل شيء».
الذي أثقل على الاستفتاء كان مدينة كركوك. ووضعها المستقبلي، وهذه قد تؤدي لاحقاً إلى نزاع مسلح. لأنه من غير المرجح أن تتخلى السلطات الكردية عنها تحت أي ظرف من الظروف.
المشكلة التي رمى بها الاستفتاء في وجه تركيا هي كيف يمكن لأنقرة أن تتعامل مع كردستان العراق بصفتها كياناً مستقلاً؟ أما إيران فكما تدعي دائماً، على أساس أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولا تعتدي عسكرياً على أي دولة قريبة، فإنها إما تتدخل بناءً لوحي إلهي، كما قال علي شمخاني مسؤول الأمن القومي الإيراني، من أن المرشد خامنئي تدخل في سوريا تلبية لـ«وحي إلهي»، وهي الآن أغلقت حدودها مع كردستان بناءً على طلب العراق، كما قال الناطق باسم الخارجية الإيرانية.
وفي نهاية الأسبوع الماضي قال رئيس الإقليم مسعود بارزاني: «لدينا خياران: الاستقلال أو الاستسلام». ولوحظ أن أكراد إيران أكثر المرحبين بالاستفتاء.
تمثل كردستان العراق الشريك المثالي لواشنطن: كيان ديمقراطي، ومستقر وقد أثبت أهميته ورغبته في العمل مع الولايات المتحدة في قضايا الأمن الإقليمي، وبخاصة الحرب ضد «القاعدة» و«داعش». لكن مشكلة واشنطن أنها لو صادقت على الاستقلال حتى بطريقة غير مباشرة، ستزيد من غضب شريك تحتاج إليه في الحلف الأطلسي هو تركيا، وليس معروفاً ما ستكون ردة فعل أكراد سوريا، وقوات «الدفاع الذاتي» التي تستعملها واشنطن الآن رأس حربة في «حربها» مع روسيا في سوريا. مشاكل الأكراد كثيرة ومحزنة. كانت علاقة أنقرة بأربيل قوية، وكانت علاقة أكراد العراق بأكراد سوريا غير مريحة. الآن كل طرف كردي يحارب على جبهته، وتبقى جبال قنديل لمقاتلي «حزب العمال الكردستاني» وزعيمه عبد الله أوجلان.
مع دعوته إلى الاستفتاء، رفض بارزاني كل محاولات واشنطن ثنيه عن خطته، هو كان يعرف أن واشنطن متشبثة بمفهوم العراق الموحد، وبالتالي لن يكون هناك وقت مناسب لإجراء الاستفتاء الكردي، لا الآن ولا لاحقاً.
كان بارزاني يعرف أن الاستفتاء لن يقود مباشرة إلى الاستقلال؛ لذلك كان هدفه طرحه على طاولة المفاوضات مع بغداد، هو سيبقى ولا أحد يمكنه أن ينزع الأمل.
تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات في العراق قاب قوسين أو أدنى، فانتخابات الأكراد مقرر إجراؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أما الانتخابات البرلمانية والمحافظات على مستوى العراق ككل فسوف تجري في أبريل (نيسان) من العام المقبل، وكان حيدر العبادي رئيس الوزراء وهو يتعامل مع مسألة الاستفتاء يرى ثقل منافسه الأخطر، الذي تحركه طائفيته وإيران، نوري المالكي رئيس الوزراء السابق الطامح إلى حكم كل العراق وتحويله تابعاً شيعياً لإيران. لذلك؛ كان في حسابات عبادي أن يظهر صلابة ويقف ضد الاستفتاء متهماً الأكراد بالعنصرية لتجنب خطر تعرضه لحملة من منافسيه السياسيين، وعلى رأسهم المالكي حاملين الشعار ضده بأنه رئيس الوزراء الذي فقد كركوك. لكن العبادي في دفاعه عن موقفه داخل السياسات الشيعية المتناحرة، أضر بعلاقته مع أربيل؛ لأنه سيحتاج إلى دعم الكرد في تشكيل حكومته المقبلة للاحتفاظ برئاسة الحكومة. هناك أيضاً واشنطن التي ستطالبه برد الدين، ولن ينسى ما طالبه به خامنئي عندما استقبله مؤخراً: العمل على إنهاء الوجود الأميركي في العراق، وعدم المساس بـ«الحشد الشعبي».
من منظور إقليمي أوسع، ربما نظر البعض إلى كردستان المستقلة على أنها قد تكون مجرد خطوة أولى نحو إعادة رسم حدود الشرق الأوسط بشكل عام على أسس عرقية ودينية، لكن هذا التغيير بدأ فعلاً وقد يكون هو ما دفع ببارزاني إلى المطالبة بالاستفتاء من أجل الاستقلال، فالمد الإيراني كسح المنطقة، والعائدون من بغداد يعترفون بأنها صارت مدينة شيعية، وكان أول ما أقدم عليه «الحشد الشعبي» بعد تحرير الموصل، إنشاء مدرسة «الإمام الخميني» في المدينة السنّية، والذي يرى بيروت وأحياءها في ذكرى عاشوراء الآن، يشعر كأنه داخل إلى مدينة كربلاء أو النجف، ثم إن إيران أطلقت العنان لحركة «النجباء» التي يقودها الشيخ العراقي المولد الإيراني الانتماء أكرم الكعبي لتأمين «الهلال الشيعي البري» الذي يصل العراق بسوريا وبـ«حزب الله» في لبنان. ويتهمون الأكراد بأنهم يحاولون تغيير حدود قائمة منذ مائة سنة!
عبر البحر الأبيض المتوسط – مشكلة الأكراد بملايينهم الثلاثين أن لا منفذ بحرياً لهم – هناك تغيير آخر بدأ يتفاعل في منطقة كاتالونيا الإسبانية، حيث من المقرر إجراء تصويت على الاستقلال في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. منذ سنوات تحتج كاتالونيا، أغنى منطقة في إسبانيا، على قيام الحكومة الفيدرالية بنقل ثرواتها إلى مدريد، وأصرت على أنها بالانفصال ستكون أفضل حالاً. الأسبوع الماضي أرسلت مدريد رجال الشرطة لاعتقال قادة كاتالونيا الداعين للانفصال. إن ظهور كاتالونيا مستقلة يمكن أن يشكل سابقة خطيرة في أوروبا؛ لأنها قد تشد غيرها وتقنع المناطق الأخرى التي تجنح إلى الاستقلال، مثل بلاد الباسك في إسبانيا، والفالندر في بلجيكا، وحتى بافاريا في ألمانيا أن تحذو حذوها. من المفارقات المثيرة للاهتمام في العالم الذي يزداد صغراً رغم العولمة، أن العديد من الشعوب لا تريد أن تذوب في كيانات كبرى. بل تطالب بأن تكون أمماً ناشئة. مهما قيل، لا توجد صيغة ثابتة لقياس شرعية أي ادعاء بالحق بالاستقلال، لكن من الصعب إنكار هذا الحق على أي مجموعة لها لغتها، وتقاليدها وثقافتها، ولها تاريخها من الهزائم والانتصارات.
لقد حرك مسعود بارزاني أعماق كل أكراد المنطقة بدعوته إلى استفتاء حول استقلال أكراد العراق. منذ مئات السنين يتهاوى الأكراد في الجبال بسبب رغبتهم في الاستقلال، كل الأكراد. إنه حق ولنكفّ عن اتهامهم بكل شيء إلا بأنهم أصحاب حق. مجازر من كل الأنواع لاحقتهم. خسروا كل شيء وظلوا ممسكين بالحلم. قال بارزاني للأتراك: تفضلوا أبيدونا. الذين حاولوا في السابق رحلوا. وبقيت كردستان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*