ادعاءات تستلزم المناقشة

مروان اسكندر

20 كانون الثاني 2017
النهار

القضايا الاقتصادية الكبرى والقضايا البيئية الملحة منسية ومهملة وكأن الانجاز يتوافر لنا بتكرار الامل في تحسن الاوضاع.

وفي هذا الاطار نعرض لانتقادات وجهها زميل اقتصادي نحترمه هو الدكتور ايلي يشوعي الى سياسات حاكم مصرف لبنان، ذلك ان الانتقاد تضمّن ادعاءات عن التأثير السلبي على التوقعات الاقتصادية وفي رأينا أن الاستخلاصات ليست مبررة وليست صائبة.
نبدأ بمناقشة تأكيد ايلي يشوعي ان الحاكم خفض الكتلة النقدية، وتالياً منع تدفق الاموال لتمويل المشاريع. يتغاضى الاقتصادي المعترض عن حقائق رئيسية، أولاها ان سياسات مصرف لبنان، والتي يصوغها فريق وليس الحاكم وحده، هدفت الى تحصين القطاع المصرفي وتنقيته بين 1993 و2008 وحققت نتائج باهرة. ولنذكر ان لبنان لم يعان ازمة مالية عندما اندلعت الازمة المالية العالمية عام 2008، بل ظهر للبنانيين ان شروط مصارفهم، ورقابة لجنة الرقابة على المصارف، وفرت مناخًا شجع على تحويل 29 مليار دولار الى لبنان عام 2009 من مراكز مثل سويسرا وانكلترا والولايات المتحدة.
هذه التحويلات، حضرة الزميل الكريم، مكنت لبنان من امتصاص عجوزات ميزان المدفوعات بين 2012 و2015 والتي تعاظمت نتيجة تدفق النازحين السوريين الذين يقدر البنك الدولي وقع تكاليفهم على الاقتصاد اللبناني بـ2,6 ملياري دولار سنوياً، تضاف اليها أعباء للتعليم والكهرباء والمياه تكلف الدولة اللبنانية 700 مليون دولار. والحرب الدائرة في سوريا تحول دون تطوير التصدير برًا الى السعودية والعراق وبلدان الخليج كما تحول دون توجه مواطني الدول المعنية برًا الى لبنان للاصطياف.
الزميل اعتبر ان سياسات مصرف لبنان رفعت معدلات الفوائد، وهو يرى أن المطلوب كان خفض الفوائد، وتالياً سعر صرف الليرة من أجل تشجيع الصادرات اللبنانية وموارد السياحة. بالفعل، كان خيار الدكتور يشوعي التزام ما يسمى مدرسة Milton Friedman التي تكتفي بالتوازن بين النقد المتوافر ومعدلات النمو، وهذه السياسة هي التي تبناها آلان غرينسبان وروبرت روبن ولاري سمرز، ثلاثة صنفتهم مجلة “تايم” عام 1999 فريق انقاذ العالم من كارثة، في حين أنهم تسببوا الى حد بعيد بكارثة عام 2008 التي لا تزال تتحكم بالاقتصاد العالمي. وجدير بالذكر ان معدلات الفائدة في لبنان سواء للمودعين أو للمقترضين، بما فيهم الدولة، لا تعتبر مرتفعة ، وسندات الخزينة اللبنانية بالدولار تحوز معدلات فائدة ادنى مما تواجهه بلدان في طور النمو منها تركيا مثلاً.
لو تبنى لبنان سياسة تسمح بتدهور سعر صرف الليرة، الامر الذي دعا اليه الدكتور يشوعي مراراً في السابق، والذي ناقشته في صدده أكثر من مرة ، أي منفعة كان سيجني؟ في اعتقاد الدكتور يشوعي أن انخفاض سعر صرف الليرة يؤدي الى زيادة الصادرات الصناعية والى تدفق عدد أكبر من الزوار للسياحة لرخص الكلفة بالعملات الاجنبية كنت ولا أزال أرى ان صادراتنا الصناعية يتشكل نصفها على الاقل من مستوردات سترتفع تكاليفها بالليرة اذا انخفض سعر صرفها، والزوار يسددون نفقات اقامتهم بالعملات الاجنبية، حتى فواتير المطاعم حيث الخدمات السياحية مسعرة اساسًا بالدولار. أواخر التسعينات كان صندوق النقد الدولي يشاطر الدكتور يشوعي رأيه، ومن بعد وخصوصاً نتيجة ثبات سعر الصرف وتدفق الاموال الى لبنان خلال الازمة العالمية، تعدل موقف الصندوق، وفي آخر تقرير نصف سنوي له في كانون الاول 2016 عن الاقتصاد اللبناني اعتبر سياسات مصرف لبنان بمثابة انجاز.
وعلى العكس من هؤلاء، الذين يتبنى ايلي يشوعي منهجهم، اعتمد مصرف لبنان برامج متعددة لتشجيع تملك الشقق، وتوسيع تجهيزات المحافظة على البيئة، وانشاء شركات المعلوماتية، وتشجيع المبادرات السياحية والصناعية والزراعية، ومشاريعه كانت توفر المعونات للمستفيدين منها مباشرة، أي تؤدي الى تنشيط الاقتصاد عبر استفادة المبادرين للاعمال.
بكلام آخر، مبادرات مصرف لبنان بتشجيع امكانات التملك وانجاز الدراسات العليا، والمحافظة على البيئة، وتمكين الصناعة ونشاطات الزراعة ظهرت كأنها مبادرات تتجاوز دور المصارف المركزية، وهذا التقويم واقعي. لكن ممارسات المصارف المركزية سواء في الولايات المتحدة أو بريطانيا والسوق الاوروبية اتجهت نحو تشجيع النشاط الاقتصادي للخروج من الازمة المستحكمة التي تجاوزت سنواتها، سنوات ازمة اواخر العشرينات وحتى 1934، وبرامج روزفلت التي سميت “العقد الجديد” The New Deal. وقد ساعدت سياسات روزفلت التي استندت الى تحليلات الاقتصادي البريطاني المعروف كينز على بدء تجاوز مفاعيل ازمة 1928-1933.
يسعى العالم الصناعي اليوم الى تجاوز نتائج الانكماش المستشري ومصارفه المركزية أخذت تعمل على أسس تشابه برامج مصرف لبنان، لكن التعجيل في عملياتها لمحاربة الانكماش جعل المصرفين المركزيين في الولايات المتحدة وبريطانيا والمصرف المركزي الاوروبي تتجه نحو توفير المال لانقاذ المصارف في المقام الاول. وهكذا ابتاع المصرف المركزي الاميركي سندات دين على المصارف واسهم شركات مشرفة على الافلاس وارتفعت ارقام ميزانيته من 700 مليار دولار عام 2008 الى 5 تريليون دولار أي خمسة آلاف مليار دولار، ووازت الزيادة البالغة 4300 مليار دولار ستة أضعاف رقم المطلوبات عام 2008، وكل ذلك حصل ورافقته زيادة طبع العملة الاميركية. والمصرف المركزي الاوروبي هو ايضًا رفع التزاماته الى مستوى 3 تريليون دولار منها جزء غير بسيط يتمثل في شراء اسهم مصارف يونانية شارفت الافلاس الخ.
في مقابلة أجرتها جريدة “الفايننشال تايمس” مع أحد الحائزين جائزة نوبل للاقتصاد لعام 2016 الاستاذ Oliver Hart وهو اقتصادي يدرس في جامعة هارفرد ونشرت في عدد نهاية الاسبوع المنصرم اي عدد14 – 15 كانون الثاني 2017، اعتبر ان منهجية ضخ الاموال في المصارف لشراء سندات واسهم غير موثوق بها لم تثمر منافع اقتصادية وانمائية بل هي عززت فرص التضخم مستقبلاً وأفادت بعض مديري المصارف.
الامر المهم، ان مصرف لبنان وفر المنهجية التي اتبعتها المصارف المركزية الاخرى في عواصم المال، لكن مصرف لبنان ببرامجه التي وازت قيمتها 5 مليارات دولار تمكن من المحافظة على نشاط على مستوى نحو 2 في المئة عام 2016 على رغم ضغوط النازحين وتأخير القرارات الرئيسية لتنشيط الاقتصاد، في حين أن أفضل اقتصاد أوروبي، وهو الاقتصاد الالماني، حقق نمواً بمعدل 1,6 في المئة عام 2015 و1,9 في المئة عام 2016.
الاقتصادي ايلي يشوعي يصرح بان رياض سلامة خرب الاقتصاد اللبناني.
كلا يا عزيزي، الاقتصاد اللبناني عانى الخراب لاسباب أهمها:
– القتال بين اللبنانيين والفلسطينيين.
– الطغيان السوري خلال ولايتي غازي كنعان ورستم غزالي، والاول اغتيل والثاني نحر في سوريا.
– طائفية الوظائف وتبعية كبار الموظفين لزعماء طوائفهم من السياسيين.
– قتال فرق من الجيش اللبناني مع “القوات اللبنانية” وهجرة ما يزيد على 100 الف شاب وشابة بعد تلك المعارك.
– الثلث المعطل لقرارات مجلس الوزراء بعد اتفاق الدوحة، والمراوحة دون اقرار مشاريع حيوية لحياة اللبنانيين.
هذه بعض اسباب تعثر الاقتصاد اللبناني وغيرها كثير، لكن رياض سلامة وفريق مصرف لبنان ليسا المسؤولين عن الخراب بل هما منعا الخراب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*