إيران تحكم أربع عواصم… “حزب الله” رأس حربتها وبيروت مختبر قوتها الناعمة (2)

من حزب لبناني استلهم الثورة الايرانية، ورفع شعار المقاومة ومحاربة اسرائيل، تحول “حزب الله” الى قوة إقليمية وأداة رئيسية للتمدد الايراني، يخوض معاركها ويساعدها في تجنيد ميليشياتها وتدريبها وتسليحها، مجسداً قوتها العسكرية وفي الوقت نفسه قوتها الناعمة، وخصوصاً في بيروت.موناليزا فريحة

       المصدر: “النهار”
       1 كانون الأول 2017 | 20:15
فبعد نجاح الثورة الإسلامية عمد هؤلاء إلى إنشاء “اللجان المساندة للثورة الاسلامية في إيران” وبدأوا يتواصلون مع قيادة الثورة ويبحثون عن أفضل الأطر لتنظيم أوضاعهم وإيجاد إطار إسلامي موحد.

لكن المحاولة الاولى لتأسيس حزب حصلت غداة الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 3 حزيران 1982.

عن تلك المحاولة و”التأسيس السري” للحزب، يقول الصحافي والكاتب قاسم قصير إنه بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 عمد بعض الشباب المسلم المنتمي للجان الإسلامية ولحركة “أمل” الى مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع المنظمات الفلسطينية والجيش السوري، ولكن لم يكن هناك إطار إسلامي موحد، وحصل خلاف داخل حركة “أمل” حول المشاركة في “هيئة الإنقاذ” التي شكلها الرئيس الياس سركيس فانشقت مجموعة من قيادة الحركة التي كان يرأسها الرئيس نبيه بري وسمت نفسها “حركة أمل الاسلامية” بقيادة حسين الموسوي.

وقرر المسؤولون عن “اللجان الاسلامية” و”أمل الاسلامية” وبعض التجمعات العلمائية توحيد جهودهم لتشكيل إطار إسلامي موحد قادر على مواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومقاومته فأسسوا لجنة من تسعة مندوبين ذهبوا إلى إيران والتقوا مؤسس الجمهورية الاسلامية آية الله روح الله الخميني وأعلنوا التزمهم قرار الولي الفقيه والعمل لتأسيس إطار إسلامي جديد، سمي لاحقا باسم “حزب الله” ولكن لم يُعلن عنه آنذاك.

ولاحقاً، وصلت قوات من “الحرس الثوري الايراني” إلى لبنان حيث دربت الشباب المنتسبين إلى التشكيل الإسلامي الجديد، وبدأت عمليات المقاومة في مختلف المناطق، إضافة إلى نشاطات سياسية وشعبية من اعتصامات وإضرابات في بيروت والجنوب والبقاع.

واكتسب الحزب شعبية واسعة بعدذاك، اذ استفاد من موقف المواجهة ضد الوجود العسكري الاميركي في لبنان والاحتلال الاسرائيلي للجنوب. وأدت عملياته ضد الجيش الإسرائيلي إلى انسحابه من قسم كبير من الأراضي اللبنانية في العام 1985.

 “الرسالة المفتوحة”

وبقي الحزب يعمل في شكل سري، حتى 16 شباط 1985 عندما أُعلن تنظيم “حزب الله” في مؤتمر صحافي وثيقة الحزب السياسية باسم “الرسالة المفتوحة” التي أعلن فيها الدعوة الى اقامة الدولة الاسلامية ونهاية الهيمنة المارونية ورفض الربط بين الحزب واللعبة السياسية اللبنانية التقليدية.

وشكل هذا الاعلان البداية العلنية للحزب وقد تضمنت الرسالة المفتوحة أهم المبادئ التي يؤمن بها الحزب، ومما جاء فيها: “أيها المستضعفون الأحرار.. نحن في لبنان لسنا حزباَ تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً… إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم.”. ونصت ايضاً على أن الحزب “ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة”.

في الشكل كما في “الرسالة المفتوحة”، بدا الحزب في ظروف نشأته ابناً شرعياً للثورة الاسلامية. واضافة الى الحرس الثوري الذي ساهم في تدريب عناصره منذ كان لا يزال مجرد فكرة، ساهمت شخصيات ايرانية عدة، بينها السفيران الايرانيان الاسبقان في دمشق علي محتمشي ومحمد حسن أختري، في تحويل الفكرة الى مؤسسة ذات كيان سياسي واقتصادي وعسكري واجتماعي. وعمل أحد كوادر الثورة في ايران علي أكبر أصغري من ثكنة الشيخ عبدالله في بعلبك على إعداد الأفواج الأولى من مقاتلي “حزب الله”. ويشار الى أن أصغري انشق عام 2006 عن النظام الايراني ولجأ الى الغرب، وكان أحد المصادر التي اعتمد عليها الغرب في الكشف عن البرنامج النووي الايراني.

ومع “الرسالة المفتوحة”، أكد الحزب ارتباطه الأيديولوجي والفقهي بإيران.

ومع ذلك، لم يكف الحزب عن أن يكون في نظر الكثيرين حزباً لبنانياً ورث الحركات الشيعية التي ظهرت في أواخر الستينات ومطلع السبعينات على الساحة الللبنانية، وهو تجذر وسط تلك المجتمعات التي لا يزال يعتمد عليها ويستفيد من تضامنها.

 علاقة تكوينية

ولكن الباحث لقمان سليم يرى أن العلاقة بين الحزب وبين ايران هي علاقة تكوينية متأصلة، وليست مجرد علاقة نشأت عند الولادة. ويقول إن الجماعات التي ورثها الحزب والتي كانت مجموعات ريعية ايرانية، هي “الجد الأعلى لما صار عام 1985 رسمياً حزب الله”.

وعلى مستوى الوقائع، يؤكد أن تلك العلاقة سبقت بكثير تفجير الخبر ومحاولة اغتيال امير الكويت. يقول إن ثمة دلائل عدة تثبت تلك العلاقة بما فيها موسم الحج عام 1981 ومشاركة عناصر ايرانية ولبنانية في تظاهرة المشركين في مكة.

كثيرة هي الابحاث والاراء التي تتحدث عن الصلات العضوية بين الحزب وايران. فعندما كتب الباحث والاكاديمي وضاح شرارة “دولة حزب الله” في منتصف التسعينات، وصف الحزب بأنه “خادم لسيدين” في اشارة الى ايران وسوريا. ففي رأيه يندرج “حزب الله” في بنية ولاية ايرانية مذهبية عسكرية تؤدي فيها سوريا دور السلطة الوسيطة جغرافياً وعسكرياً.

على مدى ثلاثة عقود، أدى الحزب دوراً قيادياً في محاربة اسرائيل، فأنشا بنى تحتية معقدة تشمل أنفاقاً وتحصينات استعصت على الالة الاسرائيلية المتطورة، ودرب الاف المقاتلين الذين تمكنوا من مواجهة الجنود الاسرائيليين المدربين تدريباً عالياً وبنى ترسانة من الصواريخ باتت قادرة على ضرب عمق الدولة العبرية.

ولكن مع تبدل النزاعات في المنطقة وظهور “أعداء” جدد، وسع الحزب دائرة نشاطاته، فأرسل المقاتلين الى سوريا ودرب ميليشيات موالية لايران في العراق، وصولاً الى مشاركته في في معارك ضد “داعش” في الموصل، ودعمه المتمردين الحوثيين في اليمن ومساعدته في تنظيم كتيبة “الفاطميون” التي تضم مقاتلين أفغاناً.

“بلاكووتر ايران”

وفي تقرير مطول له من بيروت، كتب الصحافي بن هوبارد في صحيفة “النيويورك تايمز” في آب الماضي أن “حزب الله” صار نتيجة لهذا التوسع من أهم الأدوات في تنفيذ مخططات ايران لبسط هيمنتها ونفوذها في المنطقة، وأن ما من معركة تهم ايران إلا وصار لحزب الله دور فيها. ولفت الى أن الحزب ساعد في تشكيل طائفة كاملة من الجماعات المسلحة الجديدة التي تخدم أجندة ايران وتدرب مقاتليها وسلحها وتحول عملياً ذراعاً من أذرع الحرس الثوري الايراني “يوفر النسيج الرابط للشبكة المتنامية من الميليشيات القوية”.

باختصار، يقول إن حزب الله صار بمثابة “بلاكووتر ايران”، في اشارة الى الشركة الأمنية الاميركية التي ذاع صيتها بسبب جرائم منتسبيها من المرتزقة .

وفي المقابل، استفاد الحزب من ارتباطه بايران من المال لتشغيل شبكته الواسعة للخدمات الاجتماعية في لبنان الى جانب السلاح والتكنولوجيا والرواتب لعشرات الآلاف من المقاتلين.

شكل صعود “حزب الله” في رأي كثيرين نموذجاً للمثابرة والتكامل بين الاهداف الاستراتيجية والتحركات. فأساليبه، العلنية حيناً والسرية أحياناً، سمحت بتوسيع نفوذه إلى قلب الدولة اللبنانية وفي نفس الوقت تجاوزها الى ما وراء الحدود.

دور سياسي

ومع دوره العسكري المتنامي، اكتسب “حزب الله” ومعه ايران دوراً سياسياً متزايداً في لبنان. انضم الى الحكومة اللبنانية المرة الاولى عام 2005. ومع “ورقة التفاهم” التي وقعها عام 2006 مع التيار الوطني الحر، اكتسب غطاء مسيحياً لسلاحه. ومذذاك، لم تتألف حكومة من دونه، وعطل أي جهد لا يصب في مصلحته أو مصلحة ايران.

ومع هذا الدور السياسي، أمسك “حزب الله” بقرار الحرب والسلام في لبنان. ففي تموز 2006، أطلق عملية “الوعد الصادق” عندما خطف جنديين اسرائيليين مما أدى الى شن الدولة العبرية هجوماً واسعاً على لبنان استمر 33 يوماً ودمرت فيه أجزاء كبيرة من البنى التحتية. وعام 2012، تدخل عسكرياً في سوريا لانقاذ النظام السوري، مما جعل مناطق لبنانية عدة مسرحاً لهجمات انتقامية نفذتها خلايا جهادية.

على رغم العلاقة الوطيدة بين ايران و”حزب الله” وقراراته الداخلية منها والخارجية، احتفظت الجمهورية الاسلامية دائماً بمسافة حيال الاقرار بأبوتها المباشرة له وجانبت التدخل مباشرة بالسجال المتعلق بسلاحه، وهو ما تغير أخيراً على نحو جذري، حتى صار قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري يقول في ذروة خلالف اقليمي وأزمة داخلية، أن نزع سلاح جماعة “حزب الله” غير قابل للتفاوض.

انتصارات والنووي وسوريا

ثلاث مسارات تفسر برأي لقمان سليم هذا التغير، أولها الانتصارات الميدانية التي حققتها طهران منذ 2003، مع الغزو الاميركي للعراق، والاتفاق النووي الذي شكل تطبيعاً مع مشروع القدرة الايرانية النووية في المنطقة، والتدخل الايراني في سوريا تحت عنوان مقبول، هو الانضمام الى حملة محاربة الارهاب. الى ذلك، يضيف عاملاً آخر يكمن في رسم حدود النفوذ الايراني. ويقول: “بتكرارهم هذا الكلام، يقولون إن هذه حدود حصتنا من الارباح ولن نتنازل عنها”.

للصحافي الایراني سیاوش فلاح بور قراءة مختلفة للتصريحات الايرانية. فعنده أن التصريحات الايرانية الاخيرة ، من كلام روحاني وبعده جعفري وغيرهما، ينبع من كون هزيمة داعش والفصائل العسكرية وتقدم محور المقاومه أو الممانعة (و بطبیعه الحال حزب الله مکون رئیسي من هذا المحور) أديا الی زیادة احتمالات حدوث مواجهة عسكرية بين إسراييل وهذا المحور في الجنوب السوري او لبنان. ويقول: ” إذا فشلت المحاولات الديبلوماسية لانشاء منطقة خفض التصعيد جنوب سوريا، سيزيد خطر حصول مواجهة عسكرية في لبنان بين اسرائيل وحزب الله…سلاح حزب الله مهم جداً بالنسبة الى الامن الايراني وهو محور المقاومة باسرها، ومن وجهة نظر ايران، تبدو المحاولات الراهنة (من ضمنها ضغوط خليجية علي الحزب) جزءاً من مشروع نزع السلاح المقاومة”.

…بين العواصم الاربع التي تتباهى ايران بالسيطرة عليها، يقول لقمان سليم إن النفوذ الاكبر لطهران هو في بيروت، “لان البلد ساقط تحت احتلال ناعم، وفيه يختبر النظام الايراني قوته الناعمة عبر حزب الله”.

تختلف النظرة الى “حزب الله” بين مؤيديه الذين انحسروا في العالم العربي وخصومه الذين لا ينفكون يتزايدون، علماً أن حسابات كهذه لا تدخل في صلب اهتمامات الحزب. ولكن على رغم الانقسام حوله، ثمة إجماع واسع على تحوله قوة إقليمية حقق لنفسه ولايران مكاسب عسكرية كبيرة يتطلعان معاً الى تحويلها مزيداً من المكاسب السياسية في سوريا ولبنان.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*