إنه الفساد: الشهادات الجامعية والمجرور

غسان الحجار
النهار
08122018

في غمرة الاحداث والتطورات السياسية، يبدو التطرق الى الملف التربوي كأنه ترك الاساسيات الى ما هو ثانوي، اذ انه لدى الشعوب المتخلفة يتراجع الاهتمام، حتى الشعبي، بالقضايا المعيشية والتربوية، لمصلحة الخلافات والنزاعات السياسية، ذات البعد المذهبي والقبلي والعشائري والاتني وما اليها من انتماءات وحسابات هامشية في مسيرة التطور الانساني.

اعلن وزير التربية والتعليم العالي مروان حماده انه “تم اطلاق سراح من أوقفوا بتهمة تزوير الشهادات الجامعية بضغوط سياسية”، كما تحدث عن مسعى لدى احد القضاة الى استصدار قرار بإعادة فتح فرع لاحدى الجامعات في البقاع بعدما صدر قرار عن مجلس التعليم العالي باقفاله لثبوت تورطه في تزوير الشهادات.

هذا الخبر يقع كالصاعقة على اللبنانيين الذين يأتمنون الجامعات على مستقبل ابنائهم ويدفعون الغالي، بل الغالي جدا، من اجل تعليمهم وحصولهم على شهادة تتمتع بحد ادنى من الاحترام والصدقية والاعتراف لدى جامعات ودول في الخارج، ولدى الجهات التي توظف في الداخل والخارج.

والأسوأ، ان بعض الشهادات المزورة قد خضعت للتصديق في لجنة المعادلات في وزارة التربية، وتمت الموافقة عليها، ما يعني ان التزوير تجاوز عددا من “تجار الهيكل” في الجامعات، بل بلغ ابواب الوزارة بطريقة او بأخرى. فالمدير العام للتعليم العالي “متهم” بالتواطؤ مع اشقائه وابناء اشقائه الذين ثبت تورط بعضهم في الجامعات المشبوهة والمتهمة، ولجنة المعادلات مسؤولة من باب التورط او من باب سوء الادارة وعدم التدقيق في السجلات.

هذا الملف يجب ان يقع كالصاعقة على رؤوس الرؤساء والوزراء والنواب وكل المسؤولين الحزبيين الذين يجاهرون بمحاربة الفساد، لكنهم يتدخلون تارة لدى القضاء وطورا لدى الاجهزة الامنية لاطلاق الموقوفين وتبرئة ساحتهم واعادة فتح دكاكينهم الجامعية، او “البوتيكات” كما كان يحلو للوزير السابق غسان سلامة تسميتها.

وقد اوردت “النهار” الاسبوع الماضي خبراً عن نائب جنوبي تدخّل، بل هدد عناصر مخفر الدرك في منطقته، لاطلاق اعضاء عصابة ترويج للمخدرات، بعدما تبين انهم من ابناء بلدته. ولم تتدخل اي جهة سياسية او امنية او قضائية للسؤال والتحقيق، ومعاقبة النائب، قبل اعادة القبض على افراد العصابة وتقديمهم الى القضاء.

وفي بيروت، لا تزال قضية مجرور الرملة البيضاء تجرجر اذيالها من دون الجرأة والقدرة لدى المسؤولين على تسمية الاشياء بأسمائها، بل ان الادعاءات لا تزال تُرفع ضد مجهول، ولا يمكن تفسير الامر إلا تواطؤا مع الفاسد المعلوم بالاسم والعنوان. ولا يقولنَّ أحد من المسؤولين انه لا يعلم اسم الجاني، علماً ان الحقيقة معروفة من العامة، والغطاء السياسي واضح المعالم، ومحاولات رفع مستوى الطريق كانت جارية على قدم وساق قبل الفضيحة لتغطية الطوابق المخالفة فوق مستوى الشارع العام في المنطقة بما يخالف القانون.

فضيحة تلو اخرى، ولا من يسمع ولا من يجيب، ولا من يجرؤ على فضح الامور، بل يسعى كل مسؤول الى تجنب ذيول الفضائح وإبعادها عن مرماه. امام هذا الواقع الكئيب يسأل اللبنانيون عن النية الفعلية والجدية في محاربة الفساد وسط مزايدات لا تطبّق الحد الادنى المطلوب لتؤكد ان الفساد مغطى، بل انه يرتبط بالسياسيين انفسهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*