«إنها الهجرة يا غبي»!

عثمان ميرغني
ا
لشرق الأوسط
21062018
العنوان أعلاه تحوير طفيف للعبارة التي دخلت القاموس السياسي عبر الانتخابات الرئاسية الأميركية، التي فاز فيها بيل كلينتون على الرئيس جورج بوش الأب عام 1992، مستغلاً أزمة الكساد الاقتصادي التي قضت على الشعبية التي تمتع بها بوش عقب حرب تحرير الكويت. حملة كلينتون ابتدعت عبارة «إنه الاقتصاد يا غبي» شعاراً رئيسياً في حملاتها الإعلانية الانتخابية للهجوم على بوش من بوابة الأزمة الاقتصادية، وتركيز اهتمام الناس على هذه النقطة بالتحديد باعتبارها «كعب آخيل» الجمهوريين في تلك الانتخابات.
اليوم تطغى قضية الهجرة على حيز كبير من النقاش السياسي والإعلامي من أميركا إلى أوروبا، ومن أفريقيا إلى أستراليا، وأصبحت موضوعاً ساخناً يستخدمه السياسيون سلاحاً في معارك الانتخابات لكسب أصوات قطاعات كبيرة من الناخبين المشغولين بالقضية وتداعياتها؛ خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة.
السياسيون الشعبويون واليمين المتطرف والحركات العنصرية كانوا أكبر المستفيدين من توظيف أزمة الهجرة في الانتخابات، وحققوا بها مكاسب سياسية وانتخابية في عدد من الدول بشكل أثار قلق كثيرين؛ خصوصاً مع تنامي العنصرية والإسلاموفوبيا.
في المجر مثلاً، صوّت البرلمان أمس على حزمة من التشريعات التي تستهدف اللاجئين والمهاجرين، وتضمنت إجراءات قاسية أثارت انتقادات أوروبية ودولية، إذ شملت قوانين بسجن كل من يساعد مهاجراً أو لاجئاً على الدخول أو الإقامة، وتفرض قيوداً مشددة على منح الجنسية لهؤلاء، كما تفرض ضرائب عالية على منظمات المجتمع المدني التي تعمل في مجال مساعدة المهاجرين، بهدف إجبارها على التوقف.
في إيطاليا تدرس الحكومة الشعبوية الجديدة سلسلة من الإجراءات والتشريعات التي تستهدف المهاجرين، وذلك بعد الضجة التي أثارتها بقرارها منع رسو سفينة محملة بالمهاجرين القادمين عبر البحر الأبيض المتوسط.
حتى في ألمانيا التي كانت قد فتحت أبوابها على مصراعيها لموجات اللاجئين في عامي 2015 و2016، وأسهمت بذلك في إشعال الجدل حول الهجرة، أصبحت القضية مثار صراع سياسي يهدد اليوم الائتلاف الحاكم وحكومة أنجيلا ميركل. فوزير الداخلية هورست سيهوفر الذي يتزعم حزب الاتحاد المسيحي الاشتراكي، الطرف الثاني في الائتلاف الذي يضم الاتحاد المسيحي الديمقراطي، قرر تحدي ميركل ومنحها مهلة أسبوعين لتقديم مقترحاتها لحل قضية المهاجرين. ويريد هورست الذي سبق له أن صرح بالقول: «إن الإسلام ليس جزءاً من ألمانيا»، تشديد قوانين اللجوء وإعطاء كل ولاية ألمانية حق رفض استقبال اللاجئين، وعدم التقيد بأي قرار مخالف تتخذه ميركل.
ميركل في محاولة لإنقاذ حكومتها ولاحتواء القضية التي باتت تزعزع الاتحاد الأوروبي كله، دعت إلى قمة أوروبية يوم الأحد المقبل، تناقش معالجات لموضوع الهجرة المشتعل. وسبقت هذه الدعوة بلقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منتصف الأسبوع الحالي، لتنسيق المواقف وبلورة اقتراحات في عدد من القضايا، ومن بينها قضية الهجرة واللجوء التي تدل كل المعطيات على أنها ستكون من بين التحديات الرئيسية خلال المستقبل المنظور.
في أميركا أيضاً اندلع جدل واسع هذا الأسبوع، وتعرضت إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى انتقادات عنيفة بسبب المشاهد التي بثت في وسائل الإعلام للأطفال الذين جرى عزلهم عن آبائهم وأمهاتهم، في مراكز احتجاز المهاجرين غير الشرعيين. بعض التعليقات في وسائل الإعلام وضعت الأمر في إطار «الامتحان الأخلاقي» لأميركا، واتهمت ترمب باستخدام الأطفال كورقة سياسية للضغط على الكونغرس، لتمرير تشريعات تتماشى مع حملته ضد الهجرة غير الشرعية، ومن بينها تمويل مشروعه لبناء جدار عازل على الحدود مع المكسيك. ترمب كعادته ساهم في تأجيج الجدل عندما استخدم لغة فظة وتحقيرية للحديث عن المهاجرين، مثل كلامه عن أن أميركا ستصبح «موبوءة» بالمهاجرين، وأنه لن يسمح بأن تصبح الولايات المتحدة مثل أوروبا، مرتعاً للمهاجرين.
بغض النظر عن المزايدات السياسية، فإن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن قضية الهجرة تشكل تحدياً كبيراً، وتحتاج إلى معالجات جدية تتجاوز القشور والإجراءات السطحية إلى جذور المشكلة، إذا كان للعالم أن يتفادى آثارها المدمرة. المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تحدثت في تقرير صدر هذا الأسبوع عن أن العالم يواجه «نقطة تحول فاصلة»، ويحتاج إلى اعتماد نهج جديد أكثر شمولية لمواجهة قضية اللجوء والنزوح القسري، بعدما بلغ عدد من سجلوا في عداد اللاجئين والنازحين قسرياً أكثر من 68 مليون إنسان بنهاية عام 2017.
سياسة بناء الأسوار على الحدود، وإصدار التشريعات المتشددة قد ترضي السياسيين والناخبين شكلياً؛ لكنها إجراءات وقتية لن تحل القضية ولن توقف زحف اليائسين. المطلوب خطوات لمعالجة جذور المشكلة بتكثيف الجهود لحل النزاعات مبكراً، مثل الأزمة السورية أو الليبية أو في جنوب السودان، واتخاذ حزمة إجراءات لمساعدة الدول التي تتعرض لكوارث طبيعية، ولتشجيع استثمارات في الدول الأشد فقراً التي يهرب شبابها بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل، يعتقدون أنهم سيجدونها سهلة في أوروبا أو أميركا.
هذه الإجراءات قد تبدو مكلفة الآن؛ لكن تكلفتها ستكون أقل بكثير من مواجهة تبعات موجات الهجرات القسرية التي يتوقع أن تكون من بين أبرز التحديات؛ خصوصاً مع تنامي مد التيارات الشعبوية والعنصرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*