إنزال الدروز من الجبل

إن شارلي شابلن يحذر كاتب السيناريو دوماً: “اياك أن تبدأ النص من حيث يتوقع الجميع”! وفي السبعينات كتبت “تايم” تحقيقاً حول عودة تقليد قديم، وهو أن يقبل الرجال ايدي النساء في التحية. وذكرت طرقاً عدة، منها “البرلينية”، اي العسكرية، والفرنسية والايطالية. وسُئل المخرج الضاحك فيتوريو دي سيكا، أي الطرق أفضل عنده فأجاب: “لا يهم، ولكن يجب أن تبدأ في مكان ما”.

ولست اعرف أين وكيف ابدأ هذا المقال. فعندما يكون هناك موضوع غير لبناني، تصبح المسألة سهلة، تفتح النافذة وتقفز. ولكن عندما يكون الحدث المحلي ملزماً، تسبقك المتغيرات والمواعيد والقوانين والدساتير والتفاسير. وفيما توشك ان تختم المقال بناء على معطيات واقع الحال، تكتشف ان كل شيء قد حالَ، من حال إلى حال.

كل فريق معه دستوره، ومعه مواده، ومعه سيوفه. لذلك، كان بول فاليري يقول إن المرجع الاساسي والأخير في أحكام الدول، هو الميثاق، أو العرف. أي مجموع القوانين والمفاهيم التي توافقت عليها الناس في تعاملها. أما أن نحوّل كل مادة دستورية أو قانونية، إلى نقطة جدل، فهذا نقض للعرف وتحريض على الخلاف.

نحن في متاهة خطرة: الميثاق الوطني قد سقط، والدستور مزدرى، وما كان يشكل في الماضي أعرافاً اخلاقية يحترمها الجميع، أو يخجلون منها، اصبح مشاعاً للتنافر والاستقواء المتبادل. كل بدوره. نتمنى ألاَّ تضاف رئاسة مجلس الشيوخ الى القضايا المفرِّقة بين الناس. والمطالعة في هذه المسألة بسيطة وشديدة الوضوح: ثمة طائفة أساسية في البلد ليس لها موقع، أو شبه موقع، يتناسب مع حجمها المعنوي، وتاريخها ودورها، يشار إليها، وأحياناً تشير إلى نفسها بالتواطؤ، على أنها “الجبل”، وكأنها خارج، أو خارجة، على العاصمة والسواحل وسائر المدن.

آن وقت أن يُدمج الدروز، مثل سائر الطوائف الاساسية، في موقع على مستوى لبنان. وما دام البلد مقسماً إلى رئاسات، فإن رئاسة مجلس الشيوخ، منصب اعتباري يَعْدِلُ في الحقوق، من غير أن يأخذ من حق أي جماعة أخرى. لن يكون في لبنان انصهار حقيقي ومستقبل متوازن من دون وضع الدروز على مستوى الشركة في الرؤية والقرار. فالحاصل حتى الآن مَرَضي، وهو أن الدروز يلعبون دوراً رئيسياً في الحروب، ولا دور لهم في مراحل السلم، سوى أننا نحصي عليهم حقائب الوزارة، أو مقاعد البرلمان. غالباً مع منّة أو “تنازل”، أو مقايضة!

التاريخ عبارة عن بدايات جديدة باستمرار. وقد آن لهذا الوطن – وهذه الدولة – أن يُنزِل الموحدين من “الجبل”، حيث يُعاملون كأنهم جماعة لا تزال لائذة بالمعاقل، تنتظر نهاية الثورة للنزول الى المدينة. أو كأن ادابهم آداب درزية، ومفكريهم واساتذتهم وفنانيهم وشعراءهم، نتاج درزي جبلي وليس من ألق الأدب العربي برمّته، ومن إرث لبنان، ومقدمات نهضته.

عندما طُرحت فكرة مجلس الشيوخ كجزء من الاصلاح الدستوري، كان معروفاً لدى الجميع، أن المقصود هو حفظ مرتبة الدروز. ليس فقط بسبب مثل هذا الحق الطبيعي، بل من أجل استكمال الدعائم في توطيد البناء الوطني، الذي يعرضه للاهتزاز، مرة القوي، ومرة الضعيف، مرة الفائض، ومرة الفراغ.

قال البابا فرنسيس في مصر “إن الآخر له وجه هو أيضاً”. ونحن، في نهاية المطاف، مجموعة آخرين، قدرنا أن نعيش وجهاً الى وجه. وأي سبيل آخر، كارثة.

مذ بدأت احداث المنطقة المزلزلة في تونس العام 2010، بدأ الجميع يطرحون سؤالاً واحداً: هل انتهى مفعول سايكس- بيكو ونحن أمام خريطة اقليمية جديدة؟ هل العراق الى التقسيم ، ومعه سوريا ومصر وليبيا ومن يدري؟

ولكن ماذا لو حدث التقسيم فعلاً، فإلى أين سوف تذهب اقسام الأرض؟ هل تزحل كردستان الى أوروبا، وينتقل شرق ليبيا إلى أميركا؟ قتلى أو احياء أو شبه احياء، جميعنا باقون هنا. الافضل أن ندير وجوهنا بعضنا الى البعض، لأنها وسيلة التأمل واداة الحوار. فلننظر الى بلاد البلقان الرديء. تقاتلت وتقاسمت وتجازرت ثم تهادنت. ها هي اليوم بعضها في مواجهة البعض، وبعضها في جوار البعض، شريكة في الكره وشريكة في الندم، وشريكة في الخسارة.

نريد، هنا، أن نكون شركاء في الامثولة. أن نقارن بين مراحل السكينة ومراحل الحقد. السكينة كان لها سر واحد وقاعدة واحدة: احترام العِرف الإنساني . فيه كان احترام القانون، وفيه كان الازدهار، وفيه كان الحد الأدنى من الاستقلال.

وفي النهاية، هناك حل بشري واحد، طال الطريق أم قصر. ها هي أوروبا الملكيات والامارت والدوقيات والجمهوريات والثورات، تركُنَّ بعد الف عام بعضها الى جانب البعض. لا نابوليون في فرنسا، ولا بسمارك في المانيا، ولا فرانز جوزف في النمسا. آسفون. بدأ عصر ا. م. ايمانويل ماكرون. قال بول فاليري محاضراً في طلبة الليسيه. “كانت سماؤنا للطيور والبلابل فقط. ولم يعد ذلك ممكناً بعد اليوم. سوف تزدحم فيها المقاتلات والقاذفات”. العصور تتغير.

لنا خلاص واحد، مهما بدت الفكرة ساذجة: اللقاء مع وجه الآخر. لا حل مطلقاً في الافكار المعقدة والألفاظ المضمرة والمواد القابلة للتفسير والتفجير. قال الأرجنتيني المذهل خورخي لويس بورخيس:”لقد صرفتُ نفسي لدراسة المتافيزيقيا، ثم اهملتها، عندما اكتشفت السعادة”.

ايام “حكومة الشباب” العام 1970، كتب منح الصلح في “الحوادث” من باب التفاكه، أن وزير الاقتصاد الياس سابا يبسّط النظريات المعقدة للرئيس سليمان فرنجية، فيشرح مثلاً، نظرية الوفر في الموازنة بأنها “قد بساطك مد رجليك” و “خبي قرشك الأبيض لليوم الأسود”.

رحم الله الجميع. كان الرئيس فرنجية اكثر من ضحك لمفاكهات منح بك، وادرَك ما يصبو إليه، فعيّنه مستشارا في القصر الجمهوري. ولو عاش البك الى ما قبل اشهر، لقرأ ما قاله وزير اقتصاد نروج عن ادارة حكومته لأهم “صندوق سيادي” نفطي في العالم. قال، نحن نعمل بموجب قاعدة واحدة: “قد بساطك مد رجليك” و “خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود”.

جاء فرنسيس الاسيزي الى مصر في القرن الثالث عشر لاقناع سلطانها باعتناق المسيحية من اجل انهاء الحملات الصليبية. رحلة سميَّه البابا كانت اكثر سهولة وبساطة بكثير: ان يلتقي الآخر كما هو، وأن يتبرأ كلاهما معاً من الارهاب، لأنه خارج الأديان.

كان الساحر الأكبر انطوان دو سانت ايكزوبيري قد عبّر عن ذلك بسهولته الفاتنة: “في الحديث عن الايمان بالله، كانوا متساوين في الحقوق. وفي الحديث عن خدمته، كانوا متساوين في الواجبات” لأن الافتقار الى عرف أو ميثاق يحط بالانسان من مبدأ المساواة الى مبدأ الهوية. والكلام دوماً لصاحب “الامير الصغير”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*