إنتفاضة الحرّ في العراق : هل بدأ الله يعمل ضد أحزابه؟

 

فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك، دون جدوى، للرياح وللقلوع”
بدر شاكر السيّاب

قليل من الكهرباء. قليل من الماء. قليل من فرص العمل للشبيبة. كثير من الفساد. كثير من المخدّرات. كثير من الفشل السياسيّ الذي أكّدته الانتخابات ويؤكّده تأليف الحكومة.
هذا هو العراق اليوم. العراق الغنيّ فقير. العراق القويّ مهيض الجناح.
في ذاك البلد، وفي سواه أيضاً، لا يكفي إلحاق الهزيمة بداعش حتّى ينشأ وطن. ينبغي أن يكون هناك وطنيّون ينشقّون عن طوائفهم. تلك العملة نادرة في بلاد الرافدين، حيث تتعلّق كلّ جماعة برافد أو نصف رافد. يصحّ هذا المبدأ في مهمّات أخرى أنجزها العراقيّون أو أُنجزت لهم: إسقاط صدّام حسين لم يكن كافياً. خروج الأميركيّين كذلك ليس كافياً. هناك شيء كبير يبقى ناقصاً في العراق. هناك شيء لا يتمّ.
التظاهرات التي بدأت في البصرة ثمّ اتّجهت شمالاً إلى النجف وبغداد فالموصل، حدودها السياسيّة مثل الحدود السياسيّة المتاحة لمقتدى الصدر: غضب مفهوم الأسباب إلاّ أنّه قابل لتعدّد التأويلات والأغراض، كما هو قابل لتعارض النتائج وتضاربها. للحظاتٍ نجتمع في سرير واحد لكنّ كلّ واحد فينا يكون يحلم بما لا يحلم به شريكه في السرير.
لهذا تبقى المقدّمات شيئاً والنتائج شيئاً مختلفاً: مسيرة مقتدى تبقى بالغة الدلالة على هذا الصعيد: يشير بيده إلى اليسار ثمّ ينعطف يميناً، أو يشير إلى اليمين لينتهي في يسار الطريق. لكنّ حيدر العبادي ليس أفضل حالاً، هو الذي يقيم، ولا يقيم، في “حزب الدعوة”، ويقيم، ولا يقيم، في رئاسة الحكومة. أمّا تكوين “الحشد الشعبيّ” وإحراز فهم دقيق لطبيعة علاقته بالسلطة والجيش فأحجية أخرى. حتّى آية الله السيستاني يندرج في هذه الخانة: إنّه الأب الروحيّ، نظريّاً، للجمهوريّة الشيعيّة، وهو الراعي الأكبر، احتياطيّاً، لكلّ معارضة.
انعدام القوام في السياسة العراقيّة يتفرّع عن ضعف الوطنيّة العراقيّة حيال طوائفها، وحيال سياساتها بالتالي. هذا ليس سببه الأوحد إيران. حكمٌ كهذا فيه شيء من الظلم. لكنّ إيران سببه الأوّل والأهمّ. إنّها اليوم الطرف الأشدّ ازدواجاً مع سيادة العراقيّين على شؤونهم، والطرف الذي ينشىء، أو يعزّز، قوى وهيئات توازي الدولة، أغلبها مسلّح، قوى تمكّنت بقوّة السلاح من قضم حصص في الدولة. هؤلاء هم الذين أُحرقت، في هبّة الغضب، مقارّهم الحزبيّة، فضلاً عن المقارّ الحكوميّة.
فلنقل إذاً، بشيء من التعميم، إنّ “الشيعيّة السياسيّة” أثبتت أنّها غير جديرة بالحكم. وقبلها أثبتت “السنّيّة السياسيّة” عدم جدارة مشابهاً. التجربة الحالية تؤكّد، مرّة أخرى، أنّ العراق، في ظلّ هؤلاء، بلد لا يعمل.
لكنْ، وفي غمار الغضب المطلبيّ الراهن، هل يمكن الرهان على جديد يكسر ذاك المألوف، جديدٍ ينتجه تضافر عوامل ثلاثة: شعور شيعيّ بأنّ انعدام كلّ “خطر سنّيّ” يتيح للشيعة أن ينشقّوا عن تنظيمات الطائفة، وإحساس بأنّ إيران ضعيفة سياسيّاً واقتصاديّاً، وقد يزيدها ضعفاً سحبها المحتمل من سوريّا، وأخيراً، طقس استثنائيّ الحرارة يواجهه العراقيّون بما يشبه الانعدام في الماء والكهرباء. إذا صحّ أنّ الطقس سوف يحضن تغيير السياسة في العراق، صحّ أنّ الله بدأ يعمل ضدّ أحزابه ومحازبيه!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*