إميلي أبكيكِ أختاً وأماً


راجح خوري
النهار
16032018


بكثير من التفجع ها أنا أفقد شقيقة غالية نادرة وأقول أماً ثانية. إميلي نصرلله لم تكن جارة بداياتنا كجنادل البرية في قريتي الكفير عند حافة العالم، بل جارة عمري الذي بدأ الصحافة على يدها، وجارة أحزاني الطويلة عندما كان صوتها يقرع بابنا يومياً ليسأل:

كيفك يا أم راجح، وأم راجح طريحة نهايتها، وحرف “القاف” الذي بقي دائماً قطعة من اصالتها يردد: “قوليلي كيفك يا أم راجح”، ولم يكن هذا صوت “الست أميلي” بل صوت الكفير وكروم الزيتون وحفيف أوراق الدلب.

هاهي المخيلة النبيلة تنعتق من الشرنقة، التي حاصرتها كل حياتها أمام القدر صانع الآلام. باكراً قرعت المرارة الباب الخشبي في بيت والدها داوود أبو راشد، بعدما راحت العائلة تتبخر غائبة في منافي الهجرة، بحثاً عن أرض أرحم من منحدرات حرمون. وكانت اميلي الصغيرة تتمزق، وأخوتها الياس ولبيب وجرجس وسهيل ولور، يمضون تباعاً الى كندا في ما يشبه سرباً متواصلاً من الطيور المهاجرة.

على المصطبة الترابية حبق وكراس خشبية، وكنت ولداً يقف أحياناً هناك ليستمع الى داوود ابي راشد يتحسّر على الأبناء الذين سافروا، وكانت زوجته لطفة أبو النصر تمسح دموعها بصمت، اما أميلي فكانت في فراغ جناح طار ولم يَطِر!

على مدخل قريتنا الكفير منحدر إسمه “التون”، وكان دائماً ساحة البكاء والعويل، فلطالما خرجت الضيعة كلها باكراً لوداع الأولاد المسافرين، لتعشش مرارة البعد في كل قلب ووراء كل نافذة. وكان بيت اميلي على حافة التون، وأستطيع التأكيد أنها في صباها حضرت كل الوداعات وكل حفلات العويل وبكت ضمناً بمقدار ما بكت قريتي الكفير!

ولهذا كانت فواجع التون ملهمها ومفجر أفكارها والحبر، لكن الإلهام والأفكار والحبر في كل هذا العدد الهائل من مؤلفاتها البارعة، لم تكن سوى تعبير صارخ حيناً ومكنون أحياناً، عن الألم والوجع ولو جاءا على طريقة كافكا، “لذة إستسلام الضحية للجلاد”، خصوصاً أنها بعد زواجها من الدمث والراقي فيليب نصرالله، ستجد ان أولادها الأربعة رمزي وخليل ومهى ومنى يطيرون أيضاً الى الخارج للتخصص والعمل.

وهكذا لم تكن باكورة رواياتها “طيور أيلول” سوى الاشقاء والأولاد الذين يطيرون بعيداً لتبقى في أسر الفراغ المتوحش ولتكتب عن “شجرة الدفلى” المُرة، وعن “الإقلاع عكس الزمن” والأصح الإقتلاع من الزمن، وعن “الجمر الغافي” الذي يستيقظ حارقاً دائماً.

عام ١٩٦٤ كنت أعمل معلماً في ثانوية ثابت في العبادية، أصرّت اميلي على جعلي مترجماً في “دار الصياد”، وصرت صحافياً وجاراً في الحبر، وعندما أهديتها قبل أعوام ديواني “قناديل بحر الأحزان”، هاتفتني بما يشبه دمعة: راجح أعدتنى الى التون ونهر الفاتر.

 “ست اميلي” دعيني أبكيك شقيقة وأماً!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

  Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*