إمامة الجمع

 

 

سمير عطاالله
النهار
05092018

بنى الإمام رسالته حول هم واحد: الفقر. وكان الفقراء هم قضيته. وبدل ان يحرضهم على تقبل الفقر والمسكنة، وان يزيّنه لهم على انه جزء من الايمان، نذر لنفسه لأن يكون حرباً عليه:

“الفقير يموت من الجوع، والفقير يموت من المرض، والفقير يموت من الجهل، والفقير يموت من قلة التغذية ومن عدم توفير وسائل السكن ومن عدم وجود الصحة في القرية…”.

الإيمان بالله هو الاهتمام بشؤون الناس. ومن تمكّن ولم يهتم بأمور المسلمين، فليس منهم. والقرآن حافل بالآيات الداعية الى نصرة المساكين والضعفاء، فالله إله الفقراء والمستضعفين والمحرومين. واسوأ لحظات في تاريخ البشرية هي لحظات الطغيان. القوي على الضعيف. وما قوتي إلا بالله.

لكن القربى من الفقراء ونشر قضيتهم والعمل على رفع الذل عنهم، لا تكون فقط بالعظات والخطب. يقول الدكتور حسين كنعان في السيرة الكبرى “موسى الصدر: قدر ودور”(1) إن الإمام كان يكرر القول، من اجل أن تعمل للناس، يجب أن تكون بين الناس. يقول كنعان: “إن مقولته هي مقولة الامام علي “لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته”، و “ما اغتنى غني إلا على حساب فقير. وإن اسراف بعض الطبقة الحاكمة من نواب ووزراء ورجال اعمال، ما هو إلا على حساب المحرومين في الوطن. وكان دوره ان ينير الطريق لهذه الجماهير المظلومة وينقذها من المستغلين والمنافقين”.

كل عام يتذكر لبنان الرجل الذي كان لكل لبنان وجميع اللبنانيين. لم يغلق دونه ودون دعواه، الحوزة الجعفرية في صور، بل خرج بعمامته العالية الى الكنائس والمساجد والمحافل والمنابر، داعياً إلى الارتقاء بالنفس، سبيلاً الى الارتقاء بوحدة النفوس.

وبدا لنا يومها الرجل بالعباءة مفكراً مدنياً عظيم المعارف ووسيع الصدر آسر الحضور. وعندما وقف في “الندوة اللبنانية” محاضراً في معاني الاسلام، مخاطباً نُخبة من الصفاة، أكثرها غير مسلمة، شعر مداومو الندوة ان الميزان الفكري بدأ يتغيّر. وكنا قد اعتدنا أن نذهب الى الندوة يومها لكي نقرأ رؤية لبنان مع كبار مفكريه: كمال جنبلاط، وصائب سلام، وتقي الدين الصلح، واغناطيوس مارون. وإذا الوجه الجديد، الذي لم يتجاوز السابعة والثلاثين، يرتفع بالندوة، الى طبقات الروح والعقل والسكينة.

وأثار ظهور الإمام الصدر موجة من الاعجاب والتساؤل. وكثير من الصغار لم يعتادوا هذا المستوى من رفعة الخطاب وعلو النزعة. وكان يتوقع حسد الحاسدين، فكان يقول لرفاقه (حسين كنعان) هذا أكبر دليل على اثركم وصدقكم. الفاشلون لا يجيدون شيئاً سوى الثرثرة والحسد! واعوذ بالله من شر ما خلق.

لم نكن ننتظر الحرب. أو بالأحرى لم نكن نصدق طبولها والمنادين عليها. والرجل كان يريد عدلاً للفقراء، لا حرباً. لكنه كان أيضاً يأخذ بقول ابن خلدون عن القهر الاقتصادي “فإن الظلم من حيثما اتى، فإنه نذير الحرب وعدو العمران”.

هذا العام اتخذت ذكرى الغياب الكبير حرارة إضافية في النفوس. فالفقراء الذين احبّهم يتزايدون، ولبنان الذي اراده نموذجاً من النماذج البشرية الساطعة، يكاد يذوب في احتراق الشموع وانتشار الظلمة. والحوار الذي اراده قاعدة ومنطلقاً لكل شيء، تحوّل الى صخب شارعي بذيء الالفاظ ساقط المعاني. ليس هذا هو لبنان الذي رأى فيه مأمَنَ الخائفين. ولم يكن يتكل على ظهور النفط عن يد وزير الطاقة وقدرته الربّانيّة، بل كان يعتقد، بكل بساطة، ان ثروة لبنان وطن المضطهدين في كل مكان، ومأمن الخائفين، ثروته في الإنسان وفي المجتمع وفي التاريخ. وبالتالي، فهو بلد الإنسان والإنسانية (2).

رأى الإمام الصدر أن الحوار هو القاعدة المثلى لكل شيء: اولاً بين الشيعة أنفسهم، وثانياً مع السنة وعلمائهم في سبيل وحدة الأمة، وثالثاً مع النصارى الذين ساهموا الى حد بعيد في النهضة العربية واليقظة العربية والحفاظ على القضية العربية الأولى. كل ذلك يستدعي انطلاقاً ثقافياً حداثياً مأخوذاً بالطبع من المخزون الاسلامي والتراث. ومن خلال هذه الحداثة، يمكن تجاوز ما توصل اليه الغرب من مراحل في التطور والنمو. فالتطور سنة الحياة “ولن تجد لسنّة الله تبديلاً”.

لا ندري ماذا كان حدث، أو تحقق، لو ان رسائل الإمام الصدر لم تأتِ في زمن شديد الاضطراب كذلك السفه الملعون الذي أدى حتى الى تغييبه في مجاهل من سمّاهم أحمد بهاء الدين، دراويش الفكر القومي. بالتأكيد، لم يكن أحد من هؤلاء، أقرب الى القدس وفلسطين منه اليهما. ولعل أسوأ ما حصل في تلك المرحلة، كما يروي الدكتور كنعان، كان الخلاف الذي وقع بينه وبين الفلسطينيين. وقد كانت بينهم فصائل جامحة. وواضح ان الرجل رأى نفسه أسير قضيتين متساويتين لديه: الجنوب وفلسطين. وقد تلقى وعوداً كثيرة من أبو عمار بتهدئة الوضع وإرضاء النفوس والمشاعر، غير ان ذلك لم يتم، ربما أيضاً بسبب الجموح المُشار إليه.

في الذكرى الاربعين، يبدو لبنان في حاجة محزنة الى مواقف ومشاعر ذلك الرجل النادر ومشاعره وتعاليمه. فالفارق بين الاغنياء والفقراء ساحق وفاجر اكثر من أي زمن مضى. والانتساب الى التوحّش الرأسمالي وظاهرة أغنياء السفه والسيب، هو بدعة الأنماط الراهنة. وقد استبدلنا رأس مال المجتهد والذكي والمنتج والمشارك، برأس مال الاستسهال والفساد ومساحيق الغسيل.

تعوّدنا في مثل هذه الذكرى، أن يفتح الرئيس نبيه بري نافذة من نوافذ الأمل امام هذه الجماهير المصابة باليأس والخيبة، والممتلئة خوفاً من الطبقة السياسية. لكن حتى هذا الرجل الصامد في قلعة التفاؤل والأمل لم يستطع إلا ان يعدنا نصف وعد. فهو “متشائل”، كما وصف الروائي الفلسطيني اميل حبيبي بطله. والأرجح أن قسم التشاؤم في الكلمة يزيد على جزئها الآخر. بل لعله لجأ الى هذا المصطلح كي لا يخدعنا في التفاؤل، ولا يفجعنا بالتشاؤم. وعلينا نحن ان ندرك مدى فداحة المسألة عندما نرى رجل دولة مثله، في هذا الموقف المعذّب. لم نعرف في ماضي لبنان هبوطاً سياسياً كالحاصل اليوم. ومن الطبيعي ان يتبعه انحطاط في حقول كثيرة أخرى كالفن والأدب والصحافة. وليس للفقراء – وهم الاكثرية الساحقة من اللبنانيين – إمام يرفع رايتهم ومعنوياتهم وقضيتهم. فاللوائح التي تُقدم لمجلس الشعب هي فقط لوائح الذين يملكون، والحصص التي تُعرض على الوزراء هي فقط حصص الذين يبطرون ولا يرون من هموم الناس شيئاً. وقد تساءلت “الايكونوميست” على اية حقائب يتسابقون؟ فلم يبق شيء سوى الجلد. ومسكينة “الايكونوميست” فقد نسيت ان هناك ما يسمى رهن الرهن… مكرراً.

(1) حسين كنعان: الامام الصدر قدر ودور، بيسان للنشر، طبعة ثانية.

(2) الدكتور حسن حنفي، مجلة “وجهات نظر”، شباط 2004.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*