اخبار عاجلة

إعادة إعمار العراق: لو ناديتَ حيّاً!


صبحي حديدي
Feb 16, 2018

في ختام مؤتمر إعادة إعمار العراق، الذي احتضنته الكويت مؤخراً، توصلت 76 دولة ـ و51 صندوقاً تنموياً ومؤسسة مالية، و107 من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية وغير الحكومية ـ إلى التعهد بمنح العراق 30 مليار دولار. في المقابل، كانت بغداد تأمل في دفعة أولى عاجلة لا تقلّ عن 22.9 مليار، وأخرى على المدى الطويل تبلغ 65.4 مليار، حسب تصريحات وزير التخطيط العراقي سلمان الجميلي. وبين المأمول والمعتمَد، تجب الإشارة إلى أنّ معظم التعهدات تأخذ شكل تسهيلات ائتمانية واستثمارية، بعضها في مجال الصادرات (نموذج بريطانيا، بمعدّل مليار سنوياً على مدى عشر سنوات)؛ أو المشاريع الاستثمارية (تركيا بخمسة مليارات، والسعودية والكويت بمليار لكلّ منهما)؛ في حين أنّ حكومة الولايات المتحدة اكتفت باستثمارات القطاع الخاص.
وبمعزل عن السؤال الكلاسيكي الذي يكتنف مسألة إعمار العراق، أي إشكالية بلد بالغ الثراء من حيث مخزونه وصادراته النفطية، ولكنه يضطر إلى تسوّل العون من الخارج؛ ثمة ذلك السؤال الأكبر، الراهن والقديم في آن معاً: مَن يضمن عدم هدر بعض، أو حتى معظم، هذه الأموال في أقنية الفساد والإفساد التي باتت جزءاً لا يتجزأ من تركيبة السلطة في البلد؟ واستطراداً، وأياً كانت طرائق محاربة الفساد التي تعلنها الحكومة العراقية أو تشترطها الجهات المانحة، مَن يضمن حسن استثمارها لصالح حاجات المواطن العراقي ومتطلبات التنمية، وليس خدمة المحاصصات المذهبية والطائفية، أو تمويل ميليشيات كبرى على غرار «الحشد الشعبي»؟
في أحدث تقاريرها عن العراق، أوضحت «بوابة مكافحة الفساد»، ، أنّ ميادين الفساد تشمل كلّ قطاعات الدولة، إلى جانب القطاع الخاص؛ وتستوي في هذا الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأجهزة الشرطة والجيش والخدمات العامة وإدارات الأملاك والضرائب والجمارك والموارد الطبيعية… لافت، إلى هذا، ما يقوله التقرير عن المجتمع المدني: «الدستور العراقي يكفل حرية التعبير، لكنّ القوانين الغامضة تترك مجالاً واسعاً للحكومة كي تضيّق الخناق على الصحافيين. أجواء وسائل الإعلام معادية وخطيرة، والخوف من انتقام السلطات أدى إلى رقابة ذاتية واسعة النطاق في أوساط الصحافيين. وفي العراق نسبة اغتيال الصحافيين هي بين الأعلى عالمياً، والقانون العراقي يجرّم بشدّة حالات القذف والتشهير، ولهذا اعتاد المسؤولون الحكوميون رفع دعاوى قضائية ضدّ التقارير الصحافية التي تتناول الفساد. واستخدام الإنترنت يخضع للقيود، وتوفرت تقارير تشير إلى مراقبة حكومية تمارس على المواقع دون إذن قانوني».
حال العراق هذه، في ثنائية الحاجة إلى العون الخارجي والعجز عن وقف سرطان الفساد، تحمل مغزى سياسياً إضافياً، من حيث توفير المزيد من العلائم الملموسة على اندحار النظرية التي بشّر بها أمثال بول ولفوفيتز وريشارد بيرل وسواهما من أقطاب «المحافظين الجدد» خلال حقبة غزو العراق سنة 2003؛ أي قدرة البلد على تمويل مشروعات الإعمار ذاتياً، واعتماداً على الثروة النفطية، ودون اللجوء إلى مصادر تمويل واستثمار خارجية. معظم وقائع السنوات الـ15 الماضية لا تكذّب هذه النبوءة الزائفة، فحسب؛ بل تبدو نتائج مؤتمر الكويت الأخير وكأنها تفضح دركاً أشدّ مأساوية هبطت إليه تلك النظرية. ويكفي التذكير بأنّ عائدات النفط الراهنة، وبالنظر إلى ما تستنزفه أقنية الفساد المنفلتة من كلّ عقال، لا تكاد تكفي سداد رواتب بعض مستخدمي الدولة، وعلى رأسهم الـ 750 ألف عامل في سلك الشرطة وأجهزة الأمن.
المزيد من المغزى، في شطره الأمريكي تحديداً، كانت توفّره التقارير ربع السنوية التي ظلّ يصدرها ريشارد بوين، «المفتش الخاص لإعادة إعمار العراق»، بين تشرين الأول (أكتوبر) 2004 وحتى تشرين الأول 2013. ومن المعروف أنّ مكتب التفتيش هذا تمّ إنشاؤه بقرار من الكونغرس الأمريكي، بعد حلّ السلطة الائتلافية المؤقتة التي كان يقودها بول بريمر؛ وعُهدت إلى المكتب مهمة الإشراف على «صندوق تنمية العراق»، الذي أنشأه مجلس الأمن الدولي سنة 2003، ثمّ آلت مسؤوليته إلى العراق أواخر سنة 2007، بناء على طلب الحكومة العراقية. أهداف الصندوق تمثلت في: 1) إعادة الإعمار الاقتصادي للعراق، و2) النزع المتواصل للسلاح، و3) الإنفاق على الإدارة المدنية العراقية، و4) الإنفاق على أغراض أخرى لصالح الشعب العراقي.
والإنصاف يقتضي القول إنّ بوين لم يكن يشاطر إدارة بوش الابن، ولا إدارة خَلَفه باراك أوباما، توصيف أحوال العراق الإدارية، أي تلك المالية والاستثمارية والتعاقدية. هنالك وقائع مذهلة ساقها المفتش الخاصّ، تروي فضائح واختلاسات وهدر أموال عراقية، على يد بعض ممثلي سلطة التحالف، وبمشاركة أو بعلم أو بتشجيع أو بإغماض العين من جانب السلطات الأمريكية. وفي كلّ تقرير جديد، لم يتوقف المفتش عن سرد أقاصيص تبزّ ما قبلها في النهب والسلب واللصوصية المفتوحة. وكانت خلاصاته وتوصياته ستمرّ مألوفة عادية، على هدي ما يجري من فساد هنا وهناك في العالم شرقاً وغرباً، لولا أنّ التفاصيل بدت مذهلة، واستثنائية، في جانبين جوهريين على الأقلّ: أنّ الفضائح تدخل في سياقات منهجية منتظمة، تجعلها أقرب إلى النسق الدائم وليس المظاهر العابرة؛ وأنها كانت تجري في شروط احتلال عسكري تمارسه ديمقراطية عريقة يحدث أنها أيضاً القوّة الكونية الأعظم، الساعية إلى إرساء نظام ديمقراطي ودولة قانون في العراق.
وفي تقريره الختامي، عند حلّ مكتب التفتيش، أعاد بوين التذكير بواحد من أبرز دروس احتلال العراق: صحيح أنّ الفساد مؤسسة محلية عراقية، في هيكليته الأساسية؛ ولكن من الصحيح أيضاً أنّ مختلف أجهزة الاحتلال الأمريكية، الحكومية والخاصة، عاثت فساداً بدورها، ولم تنهب أموال العراق وثرواته وحدها، بل تقاسمت أيضاً بعض المليارات التي سددها دافع الضرائب الأمريكي في مغامرة العراق. على سبيل الأمثلة، سرد بوين تحقيقات في 80 ملفّ فساد وإفساد، بينها النماذج التالية: مقاول مدني دفع أكثر من 2.8 مليون دولار من الرشاوى لضابط في الجيش الأمريكي، برتبة رائد، يعمل مسؤولاً عن العقود؛ إقرار من شركة أمريكية كبرى بارتكاب مخالفات جنائية للحصول على عقد بقيمة 8.5 مليون دولار، لتوريد عربات أمنية؛ إدانة عقيد سابق في الجيش الأمريكي، والحكم عليه بالسجن لمدّة 30 شهراً، لمشاركته في صفقة احتيال؛ الحكم على موظف عقود في وزارة الدفاع، بالسجن لمدة 50 شهراً بسبب قبول الرشوة وارتكاب سلسلة مخالفات قانونية…
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً، إذن، في ملفّ إعادة إعمار العراق، ما دامت سلطة الفساد والإفساد داخلة في تركيبة النظام، كما في أنساق اقتسام السلطة بين الأحزاب والتنظيمات والميليشيات؛ وما دامت، أيضاً وأيضاً، تعشش في قلب المؤسسات ذاتها التي استُحدثت لمكافحة الفساد، مثل «هيئة النزاهة»، و«مكتب المفتش العام»، و«ديوان الرقابة المالية». وليس عجيباً، والحال هذه، أن يحلّ العراق في الموقع 166 ضمن تصنيف منظمة «الشفافية الدولية» للدول الأكثر فساداً في العالم؛ فلا تأتي بعده إلا 10 دول: فنزويلا وغينيا ـ بيساو وأفغانستان وليبيا والسودان واليمن وسوريا وكوريا الشمالية وجنوب السودان والصومال!
الطامة الأكبر أنّ حال الفساد والإفساد استقرت وترسخت واستوطنت، بل باتت اعتيادية تماماً، ولعلها أخذت تجبّ تلك الأسئلة القديمة عن عائدات النفط العراقي: ما قيمتها؟ أين تذهب؟ مَن يتحكّم بها؟ وهل توضع في خدمة العراقيين، حقاً؟ وإذا كانت معدلات التصدير اليومية من الموانئ الجنوبية قد وصلت إلى قرابة 3.535 مليون برميل يومياً، خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وهذه معدلات لا سابق لها؛ فكيف يتسوّل العراق ملياراً من هنا، وملياراً من هناك؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*