إصلاح مزدوج لتهمة العمالة لإسرائيل: إصلاح التهمة وإصلاح العمالة

جهاد الزين
النهار
06032018

عادة يصبح كل الشعب متهَماً في أي دولة هي بالنتيجة، كما ثبت أيضا في التاريخ العربي الحديث، دولة فاسدة. ولذلك فإن “حماية” هذه التهمة من مبتذليها ومقتنصيها ومبتزّيها والمتاجرين بها والقامعين باسمها والذين يعيشون عليها ويبنون مِهَناً وقصورا ويحكمون دولا وشعوبا هي مهمة ليس فقط وطنية بل أيضا تحديثية من الدرجة الأولى في “الدول الفاشلة” في التنمية والاقتصاد والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص السياسية والحياتية. الدولة الفاشلة أو شبه الفاشلة هي دولة حكم اللا قانون أولا.

غير أن التحديث هو أيضا حماية لتهمة العمالة لإسرائيل من ابتذالها باعتبار أن الصراع مع “الاختراق” الإسرائيلي هو مستوى رئيسي ودائم من وجوه حياتنا منذ العام 1948.

كيف نوفّق بين هذين الوجهين؟ منع الابتذال ومنع الاختراق، وأكرر هنا، هما المهمة الاصلاحية الصعبة لكل بنية الدولة وليس فقط علاقاتها الأمنية.

لم يقصِّر اللبنانيون، نخبا وجمهورا عريضا، في التصفيق المبني على ارتياح حقيقي عميق لكل إنجاز أمني ولا سيما في موضوع الشبكات الإسرائيلية ناهيك طبعا عن الإنجازات ضد أنشطة إرهابية أخرى.

يجب أن لا يظن اللبنانيون أن التشدد في مراقبة الشبكات الإسرائيلية هو ميزة لبنانية “ممانِعة” هذه الأيام فقط. بل عليهم أن يعرفوا أن الأجهزة الأمنية في دولة مثل مصر التي تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل كانت ولا تزال شديدة الصرامة في رصد أي سلوك فردي أو أكثر انطلاقا من تقليد راسخ للدولة المصرية بعد كامب دايفيد وهو عدم تشجيع التطبيع مع إسرائيل، أو ما سُمِّي “السلام البارد”، فكيف بالأمن القومي؟

النظام السياسي اللبناني يبدو عاجزا في هذا الجيل عن عملية الإصلاح: إصلاح المديونية العامة وإصلاح الإدارة و”إصلاح تهمة العمالة لإسرائيل” كواحدة من القضايا التي تحتاج إلى معالجة أسوة بالقضايا المالية والسياسية والإدارية وترابطاً معها.

في العشرين عاما الأخيرة ابتُذِلت تهمة العمالة لإسرائيل مرات عديدة لكن “الجلجأة” هذه المرة تحصل بصناعة لبنانية.

في رواية “عيد التيس” لماريو فارغاس لايوسا  لا يكفي الولاء لتكون عنصرا مقبولاً في جهاز حراسة الديكتاتور. يجب أن تقتل بالرصاص بعض أقرب الناس إليك لتكون فوق الشكوك.

“الديكتاتور” في حالة لبنان ليس الشخص بل التهمة. تهمة العمالة.

التهمة تحتاج إذن لإصلاح مزدوج. الحمايةُ من ابتذالها وحمايتُها من الابتذال

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*