إشارة عابرة الى التوازن

أنطوان الدويهي – كاتب، دكتور في الأنتربولوجيا الثقافية والاجتماعية
ا
لنهار – الكل في جريدة
08022018



كانت الجماعات القديمة، أو الأقل قدماً، المقيمة في “المدى اللبناني”، محكومة على الدوام بالتعايش في ما بينها، متآلفة حيناً ومتناحرة حيناً آخر(النهار).

نادراً ما يعود محللو الوضع اللبناني الكثر الى ما قبل “الميثاق الوطني” (١٩٤٣)، ويصلون في أفضل الاحوال الى إعلان “لبنان الكبير” (١٩٢٠). لكن، في الحقيقة، يتعذر ادراك هذا الواقع المعقد من دون العودة الى القرن التاسع عشر، ومن دون الاحاطة الوافية بالظروف التي أحاطت بنشأة الكيان اللبناني الأول عام ١٨٦١.

إنه لأمر مؤلم للغاية ان يعاين المرء ما آل إليه هذا الكيان اليوم:

– نهب شامل لموارد الدولة ومال الشعب على يد الغالبية العظمى من الذين يتولون الشأن العام ومَن يدور في فلكهم من رجال إدارة ووسطاء وسماسرة، بلا رقيب ولا حسيب، على الرغم من الديون الخطيرة التي تثقل كاهل البلاد. وإنه لأمر مزرٍ ان تتولى إدارة الدولة والبلاد طبقة سياسية مكوّنة في غالبيتها الكبرى، من اناس لا علاقة لهم بالسياسة، بل من “رجال اعمال” بلا ضمير، يسكنهم جشع بالغ، يموّهون انفسهم بالقناع السياسي.

– التلوث الهائل في الهواء والتربة ومياه الأنهر وشواطئ البحر ومياهه، ما يترك انعكاسات كارثية على البشر والمزروعات وعلى كل ما هو حي فوق أرض لبنان.

– وجود نحو مليوني نازح سوري ولاجئ فلسطيني، اي ما يناهز نصف عدد سكان البلاد، يعيشون أوضاعاً صعبة ويتكاثرون بوتيرة متسارعة.

– تشويه الطبيعة والمشهد بحركة كثيفة من البناء العشوائي، بلا طراز معماري، ولا جمالية، ولا هوية، ترافقه إبادة الأشجار، في كل انحاء لبنان (الذي طالما كان اسمه رمزاً للجمال الأرضي في المخيلة البشرية).

– ضعف الرأي العام اللبناني، وعجزه عن التقويم والمحاسبة والتأثير في مجريات الواقع.

– ضعف حركة التغيير اللبنانية، وتشرذمها، وضبابية رؤيتها لمستقبل النظام اللبناني.

أضف الى ذلك أمرين بنيويين خطيرين:

– الاختلال الكبير في التوازن المجتمعي بين مكوّنات الكيان اللبناني.

– وجود دولتين وجيشين مختلفين، فوق أرض واحدة، لكلٍّ منهما أفقه واستراتيجيته وأولوياته.

ما العمل؟ لا مجال في هذه المقالة الموجزة للاجابة عن هذه المسائل المصيرية.

لذا سأضطر لاختيار مسألة واحدة منها أضيء عليها، وهي مسألة “التوازن”، الكلمة السحرية التي قامت عليها الخصوصية اللبنانية.

كانت الجماعات القديمة، أو الأقل قدماً، المقيمة في “المدى اللبناني”، محكومة على الدوام بالتعايش في ما بينها، متآلفة حيناً ومتناحرة حيناً آخر. وبعد سقوط الإمارة والاضطرابات المأسوية التي تلته، وفشل حل التقسيم، ظهر الكيان اللبناني الأول (متصرفية جبل لبنان)، تحت نجم التوازن. فعلى الرغم من أن لوناً واحداً كان يشكل أكثر من ٨٠ في المئة من سكان ذلك الكيان، أرسيت المتصرفية على التوازن الدستوري لضبط الاختلال المجتمعي (متصرف مسيحي لكنه عثماني، مجلس إداري ٦ب٥، مجالس محلية بالمناصفة).

كان هذا التوازن من أهم عوامل إنجاح تجربة “لبنان الصغير”، على مدى نصف قرن، بحيث قيل فيه “هنيئاً لمن له مرقد عنزة في جبل لبنان”.

مع ظهور “لبنان الكبير”، بعد الحرب العالمية الاولى، ودخول مناطق ذات اكثرية اسلامية وافرة إليه، استمر التوازن الدستوري، معززاً مذ ذاك بالتوازن المجتمعي.

وطوال القرن العشرين، ساهم هذا التوازن الى حد كبير في الحفاظ على المدى اللبناني كمساحة نادرة الحريات في الشرق، وخصوصا بعد رحيل الاستعمار الغربي وقيام الانظمة الانقلابية الديكتاتورية، الخالية من أي توازن بين مكوّناتها، حيث سادت واستفحلت جدلية القامع والمقموع تحت غطاء الشعارات القومية الفارغة المضمون. وساهمت تلك الجدلية الى حد بعيد في خراب تلك الدول وصولاً الى مأساة العالم العربي الراهنة.

هل يستطيع الكيان اللبناني الحفاظ على صيغته المميزة، وخصوصيته كمدى للحريات، في ظل اختلال التوازن المجتمعي المتفاقم بين مكوّناته، في الديموغرافيا والهجرة وبيع الأراضي وفي النازحين والمجنّسين؟ وكيف تجنيبه لعنة القامع والمقموع في المدى المنظور والأبعد؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*