إسرائيل تستعدّ لضرب لبنان… لكنّها تخشى الأضرار الكثيرة

سركيس نعوم
النهار
05102018

التنافس بين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة وإسرائيل يبلغ الذروة حاليّاً في لبنان وسوريا حيث أوضاع كثيرة تُثير قلق الثانية لعلّ أبرزها نفوذ الأولى وحضورها فيهما سياسيّاً وعسكريّاً. والعامل الأمني هو المُحرّك الأساسي له بسبب الترسانتين الصاروخيّتين لـ”حزب الله” وطهران اللّذين يؤثّران سلباً على الوضع الأمني لإسرائيل، كما على استراتيجيّتها التفاوضيّة مع روسيا والولايات المتّحدة. إنطلاقاً من ذلك يمكن القول أن إيران و”الحزب” يُتابعان جهودهما لتعزيز قدراتهما الصاروخيّة والمدفعيّة وخصوصاً في اتجاه مناطقها الأكثر قابليّة للانعطاب ولا سيّما حيث تتركّز نشاطاتها وقدراتها الاقتصاديّة. ويمكن القول أن إسرائيل ستسعى إلى إقناع واشنطن الحليفة لها أساساً بتحديد نشاطات إيران في سوريا أو بالأحرى بالحدّ منها. ويمكن القول أخيراً أن إسرائيل وفي حال نشوب الحرب بينها وبين عدوّيها “الجمهوريّة” و”الحزب” ستسعى إلى تدمير نظام دفاعهما الصاروخي (قاذفات وصواريخ) بواسطة عمليّة عسكريّة بريّة محدودة (إغارة) في لبنان وسوريا.

كيف يرى الأميركيّون وربّما منافسوهم من الدول الكبرى الوضع في سوريا حاليّاً؟

استناداً إلى مركز أبحاث جدّي جدّاً وواسع الإطّلاع تبدو حكومتها حاليّاً مُسيطرة بعد انتقال الحرب الأهليّة فيها إلى مرحلة جديدة. ويبدو في الوقت نفسه أنّ القوّتين الدوليّتين الأكثر تورّطاً أو تدخُّلاً في الصراع أي الولايات المتحّدة وروسيا تبحثان عن مخرج بعدما خسر أعداؤهما الأساسيّون (الإرهابيّون) الأرض التي سيطروا عليها. وإذا كان ذلك كوّن انطباعاً لدى الكثيرين في المنطقة والعالم أن رياح الحرب بدأت تخفّ بل تضعف، فإن الانطباع لدى إسرائيل هو أنّ رياح الحرب بدأت في الهبوب. وينبع تزايد نشاطها في سوريا من أولويّاتها المختلفة كثيراً عن الأولويّات الروسيّة والأميركيّة. فموسكو تعمل لضمان بقاء حكومة الأسد أو نظامه واستمرار موقعها النافذ جدّاً في بلاده. والهدف الأساسي لواشنطن هو القضاء على الإرهاب. أمّا هي أي إسرائيل فترى الأحداث في سوريا ونشاطات لبنان المجاورة لها من خلال عدائها الكبير لإيران وتزايد وجودها ونفوذها في سوريا بموازاة زيادة وجود حلفائها ونفوذهم. وأثار ويُثير ذلك القلق داخل إسرائيل. ومع أعداء مثل هؤلاء جاهزون لاستغلال مواقع الانعطاب الممكن فيها جرّاء معرفتهم إيّاها فإن أي حريق جديد أو حرب لا بُدّ أن يتسبّب بخسائر مُهمّة لن تكون عسكريّة فقط. ففي الصراع المفتوح بينها وبين إيران تستطيع الأخيرة أن تضربها بوسائل عدّة. علماً أن التهديد الأكبر لها يأتي من ترسانتها الصاروخيّة في سوريا ولبنان (عبر “حزب الله”). وهي لا تنسى خسائرها في حرب الـ 2006 التي شنّتها على “الحزب” ولبنان في وقت واحد التي بلغت 3٫5 مليار دولار. وإذا كان “الحزب” يمتلك في ذلك العام عشرة آلاف صاروخ من أحجام مختلفة لها مَدَيات (من مدى) متنوّعة، فإن ترسانته تحتوي اليوم على 130 ألفا. وبسبب القوّة المشتركة المذكورة كلّها فإن إيران وحلفاءها المحاربين عنها بالوكالة يستطيعون ضرب إسرائيل كلّها وبدقّة نظراً لافتقارها إلى عمق استراتيجي وجغرافيّة واسعة أو كبيرة. ولا بُدّ أن يؤذي ذلك مؤسّسات مُهمّة مثل المياه والكهرباء والمنشآت النفطية والغازية فضلاً عن الصناعيّة والكيميائيّة. والضرر الذي سينجم عن ذلك لن يكون قليلاً. إلى ذلك فإن الضرر المعنوي والنفسي والاقتصادي سيكون كبيراً جدّاً (الهروب إلى مناطق آمنة، النزول إلى الملاجئ، توقّف دورة الاقتصاد المتنوّع أو تباطؤها، دعوة الاحتياط في الجيش إلى الخدمة أو قسم منه). ومن شأن ذلك أن يزيد من قوّة الردع التي تمتلكها إيران وحلفاؤها، وأن يجعل إسرائيل تفكَّر كثيراً قبل شنّ هجوم مباشر على “حزب الله” في لبنان. كما من شأنه ثنيها عن شنّ حرب مباشرة على إيران لأنّها ستستخدم لمواجهتها سلاحها المتنوّع وصواريخ “حزب الله” في لبنان وسوريا.

هذا التهديد الذي تشعر به إسرائيل كيف يمكن تهدئته أو بالأحرى التخفيف منه؟

بوسائل ثلاثة في رأي مركز الأبحاث الأميركي والواسع الاطّلاع نفسه. الأولى ديبلوماسيّة تعتمد إقناع أميركا وروسيا بأن مصالحهما ومصالحها تقضي باحتواء نفوذ إيران ووجودها في سوريا بل بالحدّ منه. وهي ربّما تكون حقّقت بعض النتائج الجيّدة على هذا الصعيد لكنّها غير نهائيّة. فإبعاد “الحزب” وإيران 85 كيلومتراً عن حدودها لم تعد تقبل به بعدما كان مطلباً لها لأن مدى صواريخهما يطالها من مسافات أطول. فضلاً عن أن تحميل روسيا إسرائيل مسؤوليّة سقوط طائرة حربيّة لها أخيراً في سوريا وتزويدها نظام الأسد جرّاء ذلك صواريخ إس – 300 واحتمال إقفال أجوائها أمام الطيران الإسرائيلي من شأنه أن يُعقِّد الأمور وربّما يدفع نتنياهو إلى خيارات أخرى منها شنّ حرب على لبنان. علماً أن المعلومات المتوافرة لدى مصادر ديبلوماسيّة غربيّة مُطّلعة تشير إلى قدرتها، رغم الصواريخ الجديدة، على مُتابعة استهداف إيران و”الحزب” في سوريا. وربّما تكون أفادت كثيراً من مرحلة وجود منصّات لها في أكثر من دولة في المنطقة. وفي هذا المجال فإن روسيا لا تريد إخراج هؤلاء من سوريا ولا تستطيع ذلك في الوقت نفسه.

في النهاية إن حرباً جديدة لإسرائيل على لبنان ستكون أكثر إيذاء من حرب الـ 2006. ذلك أنّها تبنّت استراتيجيا عسكريّة تقوم على شنّ عمليات على “الحزب” وإيران في شماله ردّاً على تحرّشاتهما، وعلى تنفيذ هجوم برّي عليه وربّما على سوريا أيضاً لتدمير الصواريخ ومراكز إطلاقها وقاذفاتها.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*