إدلب الخضراء

 

محمود الزيباوي
السبت05/08/2017

  • وسط مدينة إدلب
    مدخل إدلب
  • من آثار موقع البارا، عند السفح الغربي لـجبل الزاوية
  • موقع سرجيلا الأثري، شرق كفر البارة، في وسط جبل الزاوية.
سيطرت “هيئة تحرير الشام” مؤخرا على جميع مفاصل محافظة إدلب بعد مواجهات عسكرية استمرت لأسبوع مع حركة “أحرار الشام”، وأعلنت عن “إدارة مدنية” مهمتها إدارة كافة الشؤون الإدارية والعسكرية في المنطقة. في المقابل، تحوّلت هذه المحافظة إلى منفى يضمّ عشرات الآلاف من “الإسلاميين المتشددين” الذين تم إجلاؤهم من مناطق أخرى في البلاد. مع تفاقم هذا الوضع، تردّد السؤال: هل تتحوّل إدلب إلى قندهار؟ وهل ستعرف هذه المحافظة مصير الموصل التي طُرد منها تنظيم داعش بعد تدميرها بشكل كامل، أو الرقّّة التي تتعرض لقصف متواصل من قبل التحالف الدولي وروسيا والسلطة السورية؟

في العام 1945، زار الأديب المصري عبد الوهاب عزام، بلاد الشام، للمشاركة في احتفالية ابو العلاء المعرّي، ومرّ بإدلب، وكتب في وصفها: “إدلب مركز قضاء سكانها زهاء عشرة آلاف. وهي معروفة بالزيتون والقطن والبطيخ. ولكثرة الزيت بها عُرفت بصناعة الصابون حتى سُمّيت إدلب الصابون، كذلك أخبرني بعض الرفقاء من الشام. وبعد مسيرنا عن إدلب علونا أرضاً جبلية فسرنا في حدور وصعود حتى جئنا جسر الشغور. وهو قرية كبيرة عبرنا عندها جسراً على مجرى ماء، وشرعنا نصعد بعدها جبالاً عالية مخضرة، ومازلنا صاعدين وهابطين حتى وقفنا عند أشجار باسقة ظليلة عندها مسيل ماء قليل ينصب في حوض، ويسمى قسطل العجوز. وكثرت على طريقنا أشجار الصنوبر. وما زالت الطريق تتمعّج بنا على سفوح الجبال وفي الأودية. وكلما جزنا جبلاً لقينا أعلى منه وأروع”.

كانت الدولة السورية في تلك الحقبة مقسّمة إلى سبعة ألوية، هي دمشق، حوران، حمص، حماة، حلب، دير الزور، والإسكندرية. وكان لواء حلب ملحقاً بعشرة أقضية، هي جرابلس، جبل سمعان، الباب، المعرة، اعزاز، منبج، كرد طاغ، حارم، جسر الشغور، وإدلب. بحسب ما نقله محمد كرد علي في “خطط الشام”، كان “في قضاء إدلب سبعة وثلاثون مسجداً وجامعاً، وجامعها في القصبة من عهد الفتح يسمونه العمري”. “وفي أعمال إدلب قرى الفوعة ونبل وغيرهما وكلها شيعة، وفيهما إلى اليوم السادة بنوا زهرة نقباء الأشراف في مدينة حلب في الزمن السالف. وكل هؤلاء من بقايا زمن الحمدانيين ومن فلول شيعة حلب يوم تشتت شملهم”.

لا نقع في كتب التراث الشهيرة على موقع باسم إدلب. في موسوعة “تاج العروس”، يقول الزبيدي: “إدلب كزبرج، وهما قريتان من أعمال حلب، الصغرى والكبرى”. تقع المحلة الكبرى على أطراف شمال المدينة الحالية، وقد اندثرت منذ القرن السابع عشر، أما الصغرى فموقعها جنوباً، وقد حلّت مكانها هذه المدينة التي نشأت في زمن العثمانيين كما روى الغزي في “نهر الذهب في تاريخ حلب”. قبل نشوء الدولة السورية، كانت إدلب “قصبة”، أي أنها كانت مركزاً لقضاء يحمل اسمها، وكان عدد سكان هذا القضاء “45870 نسمة ما بين ذكر وأنثى”. يقع هذا القضاء “في غربي حلب إلى الجنوب، ويبعد مركزه عنها، وهو قصبة إدلب، مسافة اثنتي عشرة ساعة. وهو قضاء قليل المياه، إلا أنه جيد الهواء، طيب التربة، يُكثر فيه الزيتون وشجر الكرم والتين والعنب، ويُنجب في حقوله الحنطة والشعير والقطن والسمسم وأنواع الزروع الشتوية والصيفية. ولغة أهل هذا القضاء العربية”.

بحسب ما نقله الغزي عن أهل عصره، كانت إدلب قرية صغيرة كلدانية تُدعى “وادي لب”، وقد عُرفت بالذال المعجّمة: “إذلب”. “والمسمّى بإدلب موضعان، أحدهما إدلب الكبرى المعروفة باسم إدلب الشمالية، وهي الآن خراب. وثانيهما إدلب الصغرى، بينها وبين الأولى مسافة ميلين، والصغرى هي العامرة الآن”. في أواخر القرن االسادس عشر، تحوّلت قرية إدلب إلى مدينة، على يد وجيه عثماني يُدعى محمد باشا الكبرلي، وذلك بعدما اشتراها من الدولة، “وجعلها وقفاً على الحرمين، وبنى فيها مباني باقية حتى الآن، من جملتها دار بناها لمملوك له اسمه أبشير آغا. ومنذ ذلك الحين بدأت إدلب الصغرى تعظم وتتّسع، ويُغرس في برّها الزيتون والكرم والتين، وصارت مركز مديرية تابعة لقضاء ريحا، ثم صارت مركز قضاء، وجعلت ريحا مركز مديرية تابعة لها”. هكذا اتّسعت إدلب، وغلب على أهلها الصحة والثروة، “وفيهم العلماء والأدباء وأهل الفطنة والسخاء”. واشتهرت المدينة بصناعة الخزف والحصر “وماء الورد الذي لا نظير له في غير إدلب من جهة كثرته وطيب رائحته”.

في الختام، رأى الغزي أن “مدينة إدلب آخذة بالتقدم والعمار، فإنه يعمر فيها الآن عدة مبان فخمة مختصة بالمعارف والعسكرية، والطرقات المؤدية إليها من حلب وريحا وجسر الشغور وغيرها جار عملها بكل جد ونشاط”. ثم تحدّث تباعاً عن أبرز بلدات وقرى قضاء إدلب، وهي مرتين، كفر نجد، ريحا، جبل الزاوية الشهير بجبل الأربعين، خربة البارة، سرمين، والفوعة التي ما زال أهلها “من قديم الزمن شيعة”. حرص الكاتب على ذكر الآثار التي تحفل بها هذا البقاع، وأشار إلى أهميّتها التاريخية بكثير من الإعجاب، وشهد على عظمة قضاء إدلب وعراقته في هذا الميدان.

بعد هذا العرض الميداني الجامع، أشار صاحب “نهر الذهب في تاريخ حلب” إلى أشهر أُسر إدلب، وعلى رأسها  “آل الكيالي، وهي أسرة كبيرة فيها عدد عظيم من الفضلاء والأدباء وذوي الوجاهة والثراء”. ثم أسرة آل المرتيني “التي تولى منصب الإفتاء في إدلب عدة من رجالها ومنهم العلماء والوجهاء”، وأسرة آل الفنار “العباسية الأصل”، وأسرة آل العيّاشي التي “وُجد منها عدة رجال عرفوا باليسار والوجاهة والتمسك بأذيال الصلاح والفلاح”. من الأُسر الشهيرة في ريحا، ذكر المؤلف آل المفتي، آل عبد الكريم، آل عبدو، وآل الباشا، آل شريف، وآل سالم. كما ذكر آل الخربطلي في قرية أورم الجوز، وآل العبسي في قرية نحلة.

استقلّ قضاء إدلب عن حلب في زمن “الجمهورية العربية المتحدة”، وتحوّل إلى محافظة مؤلفة من خمس مناطق إدارية هي: إدلب، أريحا، معرة النعمان، جسر الشغور، وحارم. تقع هذه المحافظة على البوابة الشمالية لسوريا، وتطلّ على تركيا، وتشكّل طريقاً مهماً للقوافل التجارية القادمة من الأناضول وأوروبا عبر معبر باب الهوى الحدودي. يحدّها من الشمال لواء اسكندرون، ومن الجنوب محافظة حماه، ومن الغرب محافظة اللاذقية. وقد استمرّت في النمو والازدهار، وقًدّر عدد سكانها بمليون وستمئة ألف نسمة في إحصاء يعود إلى العام 2010.

تضمّ مدينة إدلب متحفاً يحوي قطعاً أثرية بالغة الأهمية، وتضمّ مدينة معرة النعمان متحفاً آخر أنشىء في خان مراد باشا الذي يعود إلى نهاية القرن السادس عشر، وقد تعرّض هذا الخان للخراب العام 2015 بفعل تساقط القذائف عليه. من جهة أخرى، تحوي محافظة إدلب عدداً هائلاً من المواقع الأثرية التي تجعل منها متحفاً عالمياً حياً، ونتساءل اليوم: هل نشهد عاجزين خراب إدلب، بعدما شهدنا خراب الموصل وتدمر وغيرها من المدن العريقة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*