“إدارة ظهر” حريريّة للسعوديّة… أم “منتعة”؟


سركيس نعوم
05122017
النهار

إقدام المملكة العربيّة السعوديّة على “خربطة” الوضع اللبناني، جرّاء إخفاقها في الإفادة من “حليفها” الرئيس سعد الحريري، للضغط على “حزب الله” كي يوقف تدخّله في اليمن وسوريا والعراق ويتخلّى عن سلاحه، أمر متوقّع. لكن أحداً لا يعرف توقيتها وخطّتها ربّما لأنّ وضعها ينتظر انتهاء “تريّث” الحريري بطريقة من اثنتين. الأولى عودته عن استقالته واستمرار “مُهادنته”. والثانية تحوّل التريّث استقالة إذا قرّر ورغم كل ما عاناه في “زيارته” الأخيرة لوطنه الثاني السعوديّة، الانسجام مع مطالبها اللبنانيّة. علماً أن عارفين ومُتابعين وخبراء لبنانيّين كثيرين يعتبرون أن حظوظ الطريقة الثانية ضعيفة.

في أي حال، يرتبط موقف السعوديّة النهائي من لبنان بالموقف الذي سيتّخذه رئيس “تيّار المستقبل” والزعيم السُنّي الأكثر شعبيّة رغم أن نسبة تمثيله، التي تدنّت وفقاً لاستطلاعات الرأي بحيث أصبحت 42 في المئة، أضافت إليها “معاناته” السعوديّة عشرة في المئة. لكن هذه الزيادة ليست نهائيّة إذ ترتبط كما شعبيّته، بالتطوّرات التي ستجري في البلاد من الآن وحتى الانتخابات النيابيّة المقرّرة في شهر أيار المقبل من سياسيّة وغير سياسيّة، والتي قد لا تكون في مصلحته إذا قرَّر جعل “المُهادنة” التي أُخذت عليه سياسة رسمية، لأنّها قد تساعده انتخابيّاً جرّاء تحالفه مع “حزب الله” و”أمل” و”التيّار الوطني الحر” والزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط.

ما هو الموقف؟ لا يمكن الجزم به. لكن العارفين والمُتابعين والخبراء أنفسهم يلفتون إلى أن الحريري بدا بتريّثه في الاستقالة الذي أعلنه من القصر الجمهوري يوم عيد الاستقلال (22 تشرين الثاني الماضي)، وبخطابه في “الحشود” الشعبيّة المؤيّدة التي أمّت “بيت الوسط” بعد ظهر ذلك اليوم، وبخفضه سقف مطالبه إلى “النأي بالنفس” وتطبيق اتفاق الطائف وعدم الإضرار بالدول العربيّة، بدا أنه يتخلّى عن مطالب السعوديّة (نزع سلاح “الحزب” وانسحابه من سوريا واليمن والعراق والساحات الأخرى)، وتالياً أنه يستهدف المملكة. انطلاقاً من ذلك يشير هؤلاء إلى أنه أمام موقفين لا بدّ أن يتّخذ واحداً منهما. الأوّل “إدارة الظهر” لها (أي للسعوديّة) بالتعايش مع “حزب الله” في حكومة رغم تمسّكه الفعلي وأحياناً اللفظي بمواقفه التي أغضبتها وألحقت بها الكثير من الأذى في رأيها، وباستمرار تأييده لها ولكن بكلام عام حرصاً على استمراره “زعيماً” قويّاً في طائفته التي انزعجت من المعاملة السعوديّة “غير اللائقة” له على أراضيها ولعائلته، ولكن التي تتمنّى عودة الوئام والصفاء إلى علاقته بالمملكة كونها مرجعيّتها الدينيّة بل المذهبيّة الأولى. وهذا الكلام ليس انتقاداً بل وصف لواقع لأن لكل من “شعوب” لبنان مرجعيّة عربيّة أو إقليميّة وأحياناً دوليّة تحميه أو يظنّ أنها تحميه وتُدافع عن مصالحه. وإن لم يكن ذلك في محلّه معظم الأوقات. بعد ذلك يقول العارفون والمُتابعون والخبراء أنفسهم إن الحكومة ستبقى وخصوصاً إذا استمر أمين عام “الحزب” السيد حسن نصرالله والرئيس ميشال عون ووزيره الأول جبران باسيل في المعالجة الهادئة والذكيّة والحكيمة لذيول معاناة الحريري في المملكة من دون معالجة جديّة لأسبابها الفعليّة. ويعني ذلك أن الأمور ستبقى على حالها، وإذا استقال فإنّه سيبقى رئيس حكومة تصريف أعمال حتى الانتخابات، يعود بعدها رئيساً لحكومة جديدة. وساعتها يصير هو والطائفة السُنيّة عمليّاً مع “التحالف” الذي حقّق هذه النتائج “الباهرة”. أمّا الموقف المحتمل الثاني للحريري فهو اتخاذه قراراً بممارسة “المنتعة” كما يُقال في العاميّة مع المملكة. وهي أقل من المواجهة والحرب. ومضاعفات ذلك معروفة وخصوصاً بعدما قال وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان في حديث الأخير لـ”واشنطن بوست” الأميركيّة “أن الشعور السّنّي في لبنان لن يسمح للحريري بتغطية “حزب الله” وسياساته بواسطة حكومته. وفي كلام وزير الخارجيّة عادل الجبير تكرار غير مباشر لموقف مُشابه اتّهم من روما “مصارف لبنان بتبييض أموال “الحزب” وتمسّك بضرورة نزع سلاحه”. طبعاً الموقف الحريري الموالي للسعوديّة مستحيل ليس فقط بسبب دخول لبنان عصراً “سياسيّاً” جديداً جرّاء التبدّل الجدّي جدّاً وإن غير النهائي في الإقليم في السنوات القليلة الماضية. ويعني ذلك أن المملكة قد لا تنفق أموالاً انتخابيّة في لبنان اقتناعاً منها بأن قانون الانتخاب وُضع لكي يُربِّح “الحزب” وحلفاءه القدامى و”الجدد”. ويعني أيضاً أنها قد تضع “خطّة مواجهة” تزعزع الاستقرارين السياسي والأمني على هشاشتهما، وعلى ساحة لبنان الكثير من عوامل التفجير.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*