أي تأثير للتطورات اليمنية على لبنان؟


روزانا بومنصف
النهار
05122017

على رغم محاولة عزل لبنان عن مجريات التطورات في المنطقة وفقا لبيان النأي بالنفس الذي يعد لإقراره قبل يوم الجمعة الذي يشهد انعقاد مجموعة الدعم الدولية الخاصة بلبنان، فإن التطورات الدرامية التي تلاحقت في اليمن في الايام الاخيرة استأثرت بالاهتمام على وقع ماهيتها من جهة وعلى خلفية ما يمكن ان تحدثه من انعكاسات من جهة اخرى، وما اذا كان يمكن ان تطاول لبنان او لا، خصوصا ان الاستقالة التي كان اعلنها الرئيس سعد الحريري ارتبطت بجزء منها بتدخل “حزب الله” في دول المنطقة، وخصوصا في اليمن. وأبدى عدد من المسؤولين في مجالسهم ردود فعل مطمئنة الى عدم توقع ارتدادات من التطورات في اليمن على التسوية التي يتم السعي الى تجديدها في لبنان، لكن كان ثمة تلاق على انه اذا كانت تطورات اليمن معبرة عن امر او خلاصة ما، فإنما في اتجاه ان ايران لن تسمح عبر الحوثيين بأن تحسم الامور في اليمن على النحو الذي كانت متجهة اليه الامور في عطلة الاسبوع الماضي، بعد التحول الذي أجراه الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وانها مستعدة لقلب الطاولة تماما كما قلب تحول علي عبدالله صالح الطاولة. وقد عمدت جماعة الحوثيين الى قتل الاخير الذي كان حليفا لهم خلال الاعوام الثلاثة الماضية في انقلابهم الذي قادوه وسيطروا فيه على العاصمة، على نحو يفيد أن إيران لم تبذل ما بذلته من جهود وانخراط في دعم الحوثيين، ولم تستثمر ما استثمرته هناك لكي يتم تطييره بسهولة في انقلاب لصالح قاد بسرعة الى استنتاجات مفرحة بأن خلطا للاوراق حصل، وهو سيحجم الحوثيين ويدفعهم الى الزاوية. فالمسألة لا تدخل فحسب في اطار الكر والفر في المعارك العسكرية، بل في اطار استعداد ايران للذهاب بعيدا دفاعا عن مكتسباتها او اوراقها هناك، أيا تكن الاثمان. ومع ان المسؤولين السياسيين استبعدوا في الساعات الاخيرة ان يتأثر لبنان بالتطورات اليمنية الاخيرة على نحو مباشر، فإن الاستنتاجات من هذه التطورات ان الصراع الذي يشكله تدخل “حزب الله” في المنطقة والسعي الى ضمان النأي بالنفس اللبناني لن يكون سهلا، خصوصا في ضوء موقف سعودي سبق أن حذر من ان تغطية وجود “حزب الله” في الحكومة سيكون صعبا على الرئيس سعد الحريري او اي شخصية سنية أخرى، ومن ثم لان ايران ستدافع عن الحزب بشراسة يحتم ان تكون اشد من دفاعها عن الحوثيين في اليمن. والترجمة العملية لهذه الاستنتاجات ان ما يتم العمل عليه راهنا من اجل موقف يعلن التزام لبنان النأي بالنفس عن مشكلات المنطقة وعن التدخل فيها، سيتم اقراره، وربما سيعد ذلك مكسبا يعيد العمل بالحكومة في المرحلة المقبلة، لكن هذه المكاسب، وفقا للترجمة التي شكلتها الايام الاخيرة في اليمن، قد لا تتعدى كونها مكاسب معركة او مكاسب مرحلة لن تلبث تطورات اخرى ان تطيحها في الجوهر في المدى المنظور، على قاعدة أن هذه المكاسب تعطى لاسباب او تحت ضغط معين في ظرف سياسي واقليمي يحتمها، لكنها في الواقع لم تكن لتحصل لولا انها ربما شكلية او لانه يمكن التراجع عنها في ظروف اخرى على قاعدة ان الاستقالة التي رفعها الحريري لا يمكن ان تحصل كل يوم او ازاء اي خرق للتفاهم الحاصل راهنا. ومعلوم أن الحريري لم يكن ليستقيل على الارجح بمحض ارادته، لكن ورقة الاستقالة تم استنفادها بالحصول على ما يمكن الحصول عليه راهنا، او لان الظروف والضغوط الدولية تحتم استمرار المحافظة على استقرار لبنان لما فيه مصلحة ايران و”حزب الله” ايضا. لكن تجربة اليمن تظهر على الاقل في المنحى الفوري ان ما يمكن كسبه بالمواقف يمكن عكسه او محاولة نسفه بالاجراءات الميدانية، وان ايران لن تقصر في ذلك في الوقت المناسب.

وتاليا، مع احتدام حدة الصراع وفق ما كشفت التطورات الاخيرة في اليمن لجهة ان اي تحول جذري او جوهري لمسار الامور سيتم التصدي له بعنف، علما ان ذلك حصل في لبنان في وقت سابق، من شأنه ان يثير تساؤلات اذا كان ذلك لن يشمل ساحات اخرى ومن بينها لبنان، في حال كان ثمة حاجة الى التعبير عن نية خوض المعارك، أيا تكن الساحات حفاظا على المواقع والادوار. بعض السياسيين يعتبر ان المؤشرات لذلك لن تلبث ان تثار تحت عناوين او ملفات كانت مفتوحة اصلا متى عادت الامور الى مسارها العادي، ومن بينها مثلا اعادة اثارة موضوع الانفتاح على النظام السوري من اجل فتح حوار حول موضوع اللاجئين السوريين مثلا، خصوصا انها مسألة حساسة بالنسبة الى لبنان وله مصلحة فيها، وان يكن الانفتاح على الرئيس السوري يثير اشكالية كبيرة، في ظل صعوبة تأمين اي مواكبة دولية لتفاصيل الوضع اللبناني كما سيحصل في اجتماع مجموعة الدعم يوم الجمعة المقبل. في حين يرى آخرون أن الرئيس الحريري الذي لا يود “حزب الله” تنفيره او ابعاده، بل على العكس من ذلك، في ظل ما يعتبره الحزب لجهة ان رئيس الحكومة بات في موقع آخر اقرب اليهم منه الى التصلب السعودي في شأنهم، هو امر يفيد انه لن يقوم بأي امر يمكن ان يحرج الحريري راهنا في ظل رهان على ان الانتخابات النيابية ستكون معبرا الى سلطة مختلفة يشكل تبعثر خصوم الحزب وضعفهم في الحال الراهنة هدية لا يمكن التفريط بها، بما يمكن ان يعيد احياءهم كمجموعة يشكل الرئيس الحريري جزءا منها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*