أيّها الوحدويون الأحرار: حيّ على الكفاح!!

عبد الرحمن عبد المولى الصلح

     5 تموز 2017

مناسبة هذا الكلام، الأجواء الطائفية المحتقنة التي تُخيّم على الأجواء العامة في البلاد والتي رافقت المشاورات المتعلّقة بقانون الانتخاب الجديد، تحت خطٍّ عريض: إزالة الاحباط المسيحي وإعادة حقوق المسيحيين. ومن المؤسف، أنّ هنالك من يعتقد بأنّ استعادة حقوق المسيحيين تُختصر بنقل مقاعد نيابية من منطقةٍ الى أخرى، أو باحتكاره المقاعد النيابيّة المُخصّصة للطوائف المسيحية في لبنان. ذلك انّ حقوق اللبنانييّن المسيحيّين (المعذرة على استعمال كلمة مسيحي أو مسلم كوني علماني التوجّه، تلقى تعليمه في كليّةٍ إنجيلية لمدّة 15 عاماً – لكن مقتضيات كتابة المقال تُحتّم ذلك) – وكذلك اللبنانييّن المسلمين لا تُحصّل بزيادة مقعدٍ نيابيٍّ من هنا أو هناك، لانّ حقوق اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، لا تُستعاد، إن فُقدّت، إلاّ بتكريس الديموقراطية الصحيحة وحريّة التعبير، وتجذير حسّ المواطنة، العمل على النمو الاقتصادي، استئصال الفساد والعيش في بيئةٍ نظيفة، بعيداً عن التلّوث. هل نزيد، مع الأسف: عودة الكهرباء 24 على 24!؟

كُتب الكثير عن قانون الإنتخابات الجديد، ولا ضرورة لإستعراض الشوائب التي طبعت القانون منعاً للإطالة والملل. لكنّني أود أن أعبّر عن أسفي الشديد لإعادة تقسيم العاصمة بيروت بموجب القانون الجديد الى دائرتين، واحدة مسيحية كليّاً (الدائرة الاولى) وأخرى إسلامية بمعظمها مع وجود مقعدين، واحد للطائفة الإنجيلية وآخر للروم الأرثوذكس. الأمر الذي يؤدي الى نسف مبدأ التعايش في لبنان الذي تجسّده بيروت العاصمة بحسب ما صرّح به النائب نبيل دو فريج، (“الحياة” 18 حزيران 2017). وإذا كان البعض يظن أنّ تقسيم العاصمة يُشكّل مكسباً للمسيحيين (إضافة الى التقسيمات التي اُعتمدت في المحافظات الاخرى) فأميل الى الاعتقاد أنّه يُشكّل إجحافاً في حقّهم، ذلك أنّ التقوقع والانغلاق، هو أكثر ما يضرّ باللبنانيين المسيحيين علماً أنّ قوتهم الأساسية لا تُقتصر بالعدّد بل بالدور الريادي في مُختلف الميادين. وإنّني أؤمن بأنّ التقوقع لا يضرّ بالمسيحيين فقط، بل بالمسلمين أيضاً. وانّ العيش في بلاد الأرز لا يحلو إلاّ بالتنوّع. وانّ الوجود المسيحي قيمةً مُضافة تزيد من ريادة هذا البلد. ثمّ انّ تقسيم العاصمة بحسب قانون الانتخابات الجديد يطمس أحد أهم إنجازات الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أعني إعادة إعمار وسط مدينة بيروت. آمن الحريري وعمل على إزالة الحواجز بين اللبنانيين. وأنّه لا مفرّ من إعادة اللحمة الى العاصمة إلاّ من خلال إعادة إحياء وسطها وتعزيز التواصل بين اللبنانيين على اختلاف طوائفهم، بعيداً عن الغرائز والتعصّب والتقوقع. هو القائل بأنّ المسيحي المعتدل أقرب اليه من المُسلم المتطرّف. قيل انّ الوصاية السورية على لبنان والتي عاثت في الأرض فساداً ومارست الاستبداد والتسلّط على جميع اللبنانيين (وللتذكير فقط، فالجبهة اللبنانية بُعيد عام 1975 وفي فترة من المراحل كانت على علاقات ودٍّ وتحالف مع النظام السوري!) طمست بشكلٍ أو بآخر حقوق المسيحيين. والصحيح انّها أيضاً طمست حقوق اللبنانيين جميعاً، وبخاصةً المسلمين… ولعلّ أسطع دليل على ذلك اغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي لا يُخالجني شك أنّه أثر استشهاده ووقوعه مضرجاً بدمائه كانت عيونه… شاخصة الى دمشق!!

إقرار تقسم بيروت بموجب القانون الجديد ونقل المقعد الإنجيلي الى الدائرة الأولى، سوف يترافق مع ظاهرة مهمّة لا بد من الإشارة اليها إنطلاقاً من أهميّة ما يُسميه المفكرهابرمس بالحيّز العام “بابليك شيرز”. أود الإشارة الى ذلك لأنّ هاجسي يكمن في تفعيل التواصل والتفاهم بين اللبنانيين بدلاً من التقوقع والإنزواء. حسب ما قرأنا في الصحف سوف يتم افتتاح مرفق تجاري مهمّ كبير (آ بي سي) في شارع فردان، أوآخر شهر تموز. ومع حرصي على عدم التقليل من أهميّة ذلك المرفق على الصعيد الاقتصادي والتجاري في شارع فردان، فهاجسي أنّ افتتاحه قد يُشكّل عامل انفصال بعدما شكّل (آ بي سي) الاشرفية عامل اتصال بعد افتتاحه منذ حوالى الـ 15 عاماً. (إضافة الى: مجمّع أسواق بيروت وسط العاصمة و”بيروت ستي سنتر” والذي يقع على تخوم الحازمية/الشياح). فمن ناحية سوسيولوجية وبعد افتتاح فرع فردان فخوفي أن يخف الاقبال على (آ بي سي) الاشرفية وبالتالي يخفُت التواصل (في مرافق التسوّق) بين اللبنانيين الذي انا حريصٌ عليه كلّ الحرص، لكنّني آمل أن تكون… هواجسي في غير مكانها!

في كتابه “الثورة بلا قيادات” (2017)، لـِ كارن روس وهو الديبلوماسي السابق الذي عمل في السلك الدبلوماسي البريطاني خلال الغزو البريطاني على العراق، وكان كاتب خُطب لوزراء الخارجية الإنكليز، يخلُص روس أنّ بريق الديموقراطية في الغرب قد خفُتَ ولم تعد ناجعة لوضع الحلول لمشكلات العموم بعدما تمّ اختطافها من طرف من يسيطرون على الارباح. وبالتالي، فإنّ الأمل يكمن في الأفراد أنفسهم من خلال العمل الدؤوب والاجتهاد لإستعادة سلطتهم وحرّيتهم. لكنّ ذلك لن يتحقّق إلاّ من خلال مبادراتٍ خلّاقة وإنشاء تنظيمات أركانها مدفوعين بأمالِ، لا بل بهواجسٍّ حقيقيّة تفرض وجودها. وكينونتها، وتؤثّر بالتالي في المجال السياسي، الثقافي والاجتماعي. إذا كان هذا ما يؤمل تحقيقه في الغرب بالرّغم من كلّ التطوّر الذي وصل اليه، فالمطلوب عندنا قياساً على ذلك، أيجاد تنظيمات مشابهة تحمل لواء لبنان الواحد الموحّد، تجهد، تجاهد وتُكافح لما فيه وحدة لبنان واللبنانييّن، ولا تكلّ عن العمل والنضال لإستئصال الفساد والطائفية وتكريس حق المواطنة.

أيّها الوحدويون الاحرار: حيّ على الكفاح !!

انعقد مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية، وعند البدء بمناقشة البند المتعلّق بتعيينات الفئة الأولى، طلب رئيس الجمهورية من رئيس الوزراء أن يقترح الأسماء التي في حوزته، والذي بدأ باستعراض الاسماء كالتالي: أنطوان، بطرس، حنا، ميشال، … فوجئ رئيس الجمهورية بذلك وقال: سامي بك، شو خليّتلّي؟ جلسة مجلس الوزراء تلك انعقدّت في الأربعينيات. رئيس الجمهورية المعني هو الشيخ بشاره الخوري. رجلٌ وحدوي، عمل على استقلال البلاد، وآمن بلبنان الواحد الموحد، أمّا سامي بك، فكان الرئيس سامي الصلح وحدويٌ آخر. كانت قاعدته المسيحية تُضاهي قاعدته الإسلاميّة. كان يكفي أن يُقال سامي بك، حتى يعرف السامع انّ المعني والمقصود هو الرئيس سامي الصلح. يومها، لم تكن البكاوية للأكابر، بل للكبار بتواضعهم، وبإيمانهم بلبنان الموحّد، بعروبتهم ونزاهتهم. كان ذلك في الزمن الغابر والحلو، زمنُ وحدة لبنان واللبنانيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*