أوراق التأليف تسير على طريق دمشق ملامح حكومة ممانعة لمصلحة الأسد؟


إبراهيم حيدر
النهار
15072018

باسيل والحريري.

يستمر الاشتباك السياسي على الحكومة بين أطراف التركيبة اللبنانية، فيما يواصل الرئيس المكلف التشكيل سعد الحريري جهوده لتحقيق خرق، من دون نتائج بسبب تمترس القوى خلف المحاصصة وشروطها لحجز مواقع في تركيبة حكومية قد تحدد إذا خرج الدخان الأبيض قريباً مصير البلد للسنوات المقبلة.

كل المؤشرات تدل على أن التأليف قد يستغرق مزيداً من الوقت، إلى أن تستوي الطبخة الداخلية وفق شروط تتماهى مع التطورات الإقليمية، خصوصاً السورية التي تضغط ملفاتها بقوة، ليس على التركيب الحكومي فحسب، إنما على الوضع اللبناني عامة، بدءاًمن ملف اللاجئين الشائك الذي تحول ورقة في أيدي النظام وصولاً إلى العلاقة معه والشروط التي يضعها لإعادة إطلاق العلاقات مع لبنان وفتح الطرق الدولية البرية بعد سيطرته على معظم الأراضي بين الأردن والعراق.

كان لافتاً الكلام الذي أعلنه وزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل خلال اليومين الماضيين حول العلاقة مع النظام السوري، للتأكيد وفق مصادر سياسية متابعة أن جزءاً من مشكلة التأليف مرتبط بالملف السوري، وهو الذي قال ان “كل الطرق بين لبنان وسوريا، سوريا والعراق، وسوريا والأردن ستفتح وسيعود لبنان إلى التنفس من خلال هذه الشرايين البرية كما ستعود الحياة السياسية بين سوريا ولبنان”. وبما أن أزمة التأليف لا تزال مستمرة وأكثر تعقيداً، بدا أن باسيل وبعض حلفائه في قوى الممانعة مرتاحون لما ستؤول إليه التطورات الحكومية، عبر الضغط على الرئيس المكلف لإعلان تشكيلة تناسب التغييرات في موازين القوى لبنانياً أولاً ثم التحولات التي حدثت في سوريا لمصلحة النظام، خصوصاً وأن المعلومات تشير إلى اتصالات لبنانية سورية على أعلى المستويات ولقاءات تنسق للمرحلة المقبلة، علماً أن “حزب الله” يحدد المسار اللبناني الذي ستكون عليه العلاقة مع نظام بشار الأسد، طالما لا يزال متورطاً في الحرب السورية ومستمراً في قواعده الخلفية في مناطق يسيطر عليها في القصير وفي الداخل السوري ملتزماً القرار الإيراني في المنطقة.

تبدو العقدة في التشكيل الحكومي خلافاً حول الحصص، وهذا أمر واقع وفق المصادر، لكن القطبة المخفية ان أطراف الممانعة الذين حققوا نتائج في الانتخابات النيابية يريدون حكومة بمعالم معروفة لن يتغير منها أي شيء، وفق باسيل، وإن كان يستند في كلامه إلى حجم الكتل، “وهي حكومة يجب أن تحترم إرادة الناس التي عُبِّر عنها في الإنتخابات التي انتظروها تسع سنوات، لتكريس الثقة”. وهذه المعالم تريدها القوى وازنة لمصلحة العلاقة مع النظام السوري واستتباعاً ما دفعه “حزب الله” في الحرب السورية والتي اعتبر أنه قدم فيها تضحيات ينبغي ترجمتها لبنانياً أيضاً، استباقاً للتسوية المحتملة في سوريا. ووفق المعلومات أن الحزب وبالتحالف مع التيار الوطني الحر وقوى أخرى تحت سقف الممانعة وبالاتفاق والتواصل مع أركان النظام في سوريا يضغطون على أكثر من محور وملف لتكون ملامح الحكومة اللبنانية معروفة ولا تقيد أي إعلان محتمل أو تطور في العلاقات اللبنانية السورية، على رغم أن النظام السوري يملك أوراقاً أخرى يستطيع من خلالها المناورة والتلاعب بالوضع اللبناني، لعل أهمها ورقة اللاجئين التي تشكل عنصراً ضاغطاً على البنية اللبنانية بأكملها. فإعادتهم بمعزل عن المجتمع الدولي ومنظماته يفتح على الاهتمام بترتيب العلاقة مع النظام السوري والتنسيق معه في ملف اللاجئين وغيره من الملفات التي ترتبط بلبنان، إضافة الى البحث في مستقبل الإعمار في سوريا اذا استتب الوضع بتسوية دولية محتملة، وذلك لتحويل لبنان نقطة ارتكاز لإعادة الإعمار مستقبلاً. علماً أن النظام في سوريا يتصرف غير مكترث لمأساتهم، لا بل يستخدمهم ورقة في الضغط على لبنان، وهو لم يلتزم وفق ما قالت سابقاً مفوضية اللاجئين باتفاقيات سابقة، مشيرة أيضاً إلى أن عودتهم غير آمنة ما لم تكن هناك ضمانات مختلفة عما يتعهد به النظام السوري لللاجئين الراغبين بالعودة. ولذا عودة المئات بتسويات يعقدها الأمن العام اللبناني لا تعني حلاً للمشكلة الشائكة.

يريد البعض موقعاً وازناً في الحكومة، وإذا كان “حزب الله” والسياسية الشيعية قد نالا حصتهما الخاصة، إنما المعركة لا تزال على الحصص الأخرى. فوفق المصادر لم تحسم إلى الآن حصة السنة كاملة لمصلحة الرئيس سعد الحريري، فإذا خرقت بممثل للنواب السنة الآخرين، تزيد الحصة السورية الممانعة في الحكومة، أما مسيحياً فلن تقدم زيادة حقيبة لـ”القوات اللبنانية” اي إضافة لهوية الحكومة، طالما أن الحصص السيادية الرئيسية تبقى من مصلحة قوى الممانعة. لذا ليس أمام الرئيس المكلف الوقت الكافي ليغير هوية وملامح حكومة يترأسها، إلا في ما يتخذه موقعه من استثناء يستحيل منصباً بلا فاعلية ولا يملك حرية التصرف واتخاذ القرار في الملفات الكبرى.

لا شك في أن التطورات في سوريا، ثم الضغوط الدولية على “حزب الله”، والصراع على المحاصصة، تطرح كلها تساؤلات عن مصير الحكومة الاولى بعد الانتخابات، وينسحب الأمر على الحكم نفسه. فإذا سارت عملية التأليف وفق أجندة الممانعة ستكون انتصاراً لكل ما يعتبره الحزب مكاسب له ولـ”حماية لبنان” من وراء تدخله السوري. ويتأكد عندها أن هناك فعلاً من يقرر اليوم في لبنان بمعزل عن الحكم، فهل يستطيع الرئيس ميشال عون أن يذهب بعيداً نحو تشكيل حكومة عهد من موقعه كحكم ومرجعية في البلد؟ حكومة تتجاوز التناقضات. سؤال تحدد أجوبته أوراق دمشق القوية في لبنان…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*