أنسي الحاج في زمن “الحسناء”

محمود الزيباوي|السبت24/02/2018
Almodon.com

  • في 18 شباط/فبراير 2014، غادرنا الشاعر أنسي الحاج تاركاً وراءه نتاجاً أدبياً غزيراً ينتظر من يعيد اكتشافه وتصنيفه. من هذا النتاج المجهول، نتوقّف أمام كتاباته التي خصّ بها مجلّة “الحسناء” على مدى “نحو ثلاث سنوات”، بالتزامن مع عمله في جريدة “النهار”.


“ابتداء من العدد المقبل، يتخلى أنسي الحاج عن عمله وكتاباته في الحسناء، وينصرف إلى عمله في النهار”. بهذا الخبر القصير، أعلنت المجلة في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 1968 توقّف الشاعر الكبير عن الكتابة فيها. حمل هذا العدد مقالة تماثل في الشكل والأسلوب تلك التي دأب أنسي الحاج على نشرها في هذه المجلة كما في “ملحق النهار”، ومطلعها: “من سنين وأنا أريد أن أقول هذه الكلمة: إني أفضل مشاهدة فيلم على كتابة قصيدة، وأفضل قراءة رواية بوليسية على شكسبير، وأفضل سماع فيروز على الأوبرا، وأفضل أن تكتب لي حبيبتي رسالة على أن أصعد إلى القمر”. كما حمل مقالة أخرى مستقلة ودّع بها الشاعر قراء “الحسناء”، ويمكن القول ان هذه الكلمة الوداعية تشكّل خير مقدّمة لكتاباته فيها.

قال أنسي الحاج في هذه المقالة الوداعية: “كنت وأنا أكتب في الحسناء، أكتب لامرأة واحدة. وإذا كنت أعرف أين يبدأ كلامي إليها فلم أكن أعرف أين ينتهي. امرأة واحدة تعددت، تكاثرت، تبددت، وماتت ثم وصلتني بشكل رسالة كالسهم في البريد. لم أكتب الا من الحب. لم أعرف المرأة غير عاشقة، غير معشوقة، غير مجنون بها، غير مجنونة. كنت وأنا أكتب في الحسناء، أقوم بفعل الحب كل حرف. ماذا أقول؟ كل حرف؟ بل كل نبضة من نبضات عروقي. وامرأتي، هنا في كل مكان، خلف الأسماء وعبر المرايا، امرأتي جسدها يمتد أبعد من حدود جسدها”. وأضاف في الختام: “طوال نحو ثلاث سنوات أحببت، وكانت الحسناء صديقتي فأخبرتها بعض الأخبار. ولم أحفل بغير هذا، فأنا منحصري هو الحب، وعالمي المرأة، وديني الحرية. ومهما تقدم بي اليأس فسأبقى متقدما عليه. لأن قوة أعظم منه تجذبني هي قوة الطفولة. إني رجل طفل وبلاغتي هي الحنين، أما رجولتي فشغف لانهائي بتفجير الشهوة. امرأتي هي المستحيل الممكن عند كل مفرق طريق. وانا أرغب ان التقيها ليلة غد، اية ليلة، في ذلك المقهى، شارع الحمراء، وستعرفني من وجهي الطافح كالبحر بها، وستكون جميلة”.

دامت هذه التجربة، على قول أنسي الحاج، “طوال نحو ثلاث سنوات”، ويتضح من هنا ان بداياتها تعود إلى مطلع 1966 كما يبدو. تصعب الكتابة عن هذه التجربة من دون الحصول على مجمل ما كتبه أنسي الحاج في “الحسناء”، إلا ان ما عثرنا عليه من هذه الكتابات يقدّم نموذجاً وافياً عنها. في الواقع، للوهلة الأولى تبدو هذه الكتابات قريبة للغاية من تلك التي دأب الشاعر على نشرها في “ملحق النهار” الأسبوعي، إلا أنها لا تخلو من المفاجآت.

على سبيل المثل، اقترب أنسي الحاج في خريف 1966 من الكتابة القصصية، ونشر قصة “عاطفية” بطلاها رجل يُدعى ثائر وامرأة تُدعى سامية. تقول مقدّمة النص المنشور في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر: “بهذه الرسالة من سامية إلى ثائر تنتهي قصة العلاقة التي حاول فيها رجل ان يبقي حبه بعيدا عن التجربة الجنسية لينقذه من الموت فأخفق. ان سامية تقول، هنا، لماذا فشل هذا الحب. وعندما قرأ ثائر هذه الرسالة كان جوابه كلمة واحدة”. وتقول سامية في رسالتها: “يا رجل. لقد انتهى كل شيء. لقد تهاوى كل شيء. لقد مات كل شيء. كنت أعرف أن حبنا سينتهي، كنت أعرف ان حبنا سينتهي. كنت أعرف أنك ستكون البادئ بإنهائه. لكنك تركتني دون ان تقول شيئا، دون وداع، دون تفسير. لم تعطني مجالا للبكاء أمامك. لم تعطني حتى مجال القول لك ان نهاية حبنا ظالمة. وكم كانت النهاية سريعة. لم يدم حبنا خمسة أشهر. وفجأة تركتني وابتعدت، وعلّقتني بين اليأس والرجاء فما تحركت شفتاك لتنقلا إلى رصاصة الرحمة. انقطعت رسائلك، انقطعت مقابلاتنا. تركتني عدوة لنفسي، غريبة لنفسي، تركتني أفقد احترامي لنفسي. ولم تلفظ كلمة. لا قلت: أحبك. ولا قلت: لم أعد أحبك”.

يلي هذه الرسالة الطويلة نصّ عنوانه “خاتمة”، وفيه يروي الكاتب: “بعدما أنهى ثائر قراءة الرسالة طواها ووضعها في جيبه ثم نظر إلى سامية فوجدها شاحبة فحمل فنجان القهوة إلى شفتيه وشرب منه ثم اعاده إلى الطاولة ثم وقف بهدوء وقال: شكرا. ثم مشى خارجا من القهوة. وعرفت في ما بعد، من صديق له، أنه أحب امرأة حررته من عقده الجنسية، وانها فعلت ذلك بنجاح باهر، لأن ثائر تحوّل إلى عبد لها، وكاد يجن، وكان يقول إنه لم يعرف الحب قبل هذه المرأة وإنه لن يعرف الحب بعدها ولا النساء. ويقول صديقه ان ثائر عرف بعد تلك المرأة الكثير من النساء، ولكنه لم يعرف الحب. وقد استعادت سامية حياتها الأولى الهادئة في كنف زوجها، ولم يعرف أحد ما إذا كان الجرح في قلبها قد التأم أو انها احتفظت به كما يحتفظ الانسان بالذكرى الغالية ولو كانت مؤلمة”.

يكمل الراوي قصته، وينهيها بقوله: “أما ثائر، فقد قال لي مرة صديقه إنه سأله إذا كان الحنين يراوده للرجوع إلى سامية، فأجابه ثائر أنه قد أدرك نهاية المطاف، فمع سامية، حقّق حلم طفولته بحب لا يدنسه الجنس، ومع المرأة التي أحبها بعد سامية حقق حلمه الناضج بحب كامل لا ينفصل فيه الحب عن الجنس، وبتجربة جنسية لا يدنسها الخوف من الخيبة ولا الشعور بالذنب. وأضاف ثائر انه أصبح مليئا بهاتين التجربتين، وانهما في الواقع تجربة واحدة تكمل احداهما الأخرى، وأنه لم يعد يشعر بحاجة إلى الرجوع ولا إلى التقدم. ولكنني علمت بعد أشهر أن تلك الحاجة لم تلبث ان استفاقت في ثائر، فعاد ينتقل من امرأة إلى امرأة، من البحث عن امرأة إلى البحث عن امرأة أخرى، وفي كل مرة يعتقد ان هذه سوف تكون آخر امرأة وان هذا سوف يكون آخر الحب. وكما قلنا فقد عرف الكثير من النساء ولكنه لم يعد يعرف الحب”.

في مطلع عام 1967، اختبر أنسي الحاج من جديد هذه الكتابة القصصية، وكتب حكاية ذاتية أخرى حمل بطلها اسم “سمندل”. تقول مقدمة المقالة المنشورة في 24 كانون الثاني/ يناير: “يوالي سمندل حكايته في مذكراته مع المرأة والحب والتكرار. آخر مرة أحب فيها لم يدم حبه شهرا. وملأه الضجر. وظن أنه اكتفى من النساء. ولكن سوف يأتي الربيع وسمندل بلا امرأة. وهل يليق بالرجل أن يستقبل الربيع وهو بلا امرأة”. يقول سمندل في هذه المذكرات: “سوف يأتي الربيع ويدي باردة. وكنت أحسب إني شفيت من الحب. آخر تجربة ملأتني ضجرا ولفظتني بعيدا عن سطح الأشياء. ولكن عدت فوجدت الجدار أمامي. كنت دائما أجدني واقفا أمام جدار الموت. حاولت أن أنظر إليه بشجاعة أو بهزء وأن أعتاده فلا يعود يخيفني، ولم أنجح. وحاولت أن أهرب منه، ولم أنجح. وحاولت أن أحجب نظري عنه، ولم أنجح. فقررت أن أقاومه بسلاح يشابهه، بشيء من سلطانه وجنسه، ولم أجد غير الشهوة والحب. انّ أصدق وأعمق شيئين في جسدي هما الحب والموت. الموت جدار. وقد أردت أن أجعل جدار الموت يتزعزع أمامي وينهار بقوة الحب”.

بعد هذه الكتابات القصصية غير المعهودة في مسيرته الأدبية، عاد أنسي الحاج إلى عالمه الداخلي الأليف، كما تشهد كتاباته، ولم يواكب الحدث إلا في حالات نادرة، كما في مقالة “الحرب لم تقع” التي نشرت إثر الهزيمة في 17 حزيران/يونيو 1967، ومقالة “لا تؤاخذوننا كنا نحلم” التي نشرت في مطلع تموز/يوليو. نلتقي بالشاعر الذي عرفناه من خلال زاوية “كلمات” في “ملحق النهار”، كما في “أنا أريد أن أكون” في 22 تموز/ يوليو، و”اللحظات الحاسمة”في 2 أيلول/سبتمبر، و”دخلت الكنيسة فما وجدت شمعة في حجم حيرتي” في 28 تشرين الأول/ أكتوبر. سار أنسي الحاج على هذا الخط في عام 1968، ونشر إلى جانب مقاله الأسبوعي مختارات أدبية صدرت تباعا تحت عنوان “رمل وزبد”.

تضمّ هذه المختارات شذرات متعددة المصادر، منها تلك التي تعود إلى الأدب العالمي عموما، وإلى الأدب الفرنسي خصوصا، ومنها تلك التي تعود إلى الميراث الشعري العربي. تحمل هذه المختارات نفس أنسي الحاج ونبضه في أغلب الأحيان، كما في قول نابليون: “جوزفين، انت الأمل الوحيد الذي تدور حوله أفكار حياتي”، أو قول ستندال: “ليس هناك غير عشرين صنفا من النساء، وبعدما يتزوق الواحد اثنين او ثلاثة أصناف، يشعر بالتخمة”. كما تحمل بعض الشذرات الغريبة، كما في تقرير سمير خلف المفصّل عن عدد ساعات عمل المومس اللبنانية الذي “يقارب على العموم تسع ساعات ونصفا”.

وإذا كان من “تعزيةٍ” أدبيةٍ وتأريخية تُرجى في هذا السياق، فهي أن تأخذ على عاتقها، جهةٌ توثيقيةٌ موثوقٌ بمنهجيتها، مهمة التنقيب عن الآثار المجهولة الغفيرة التي تركها أنسي الحاج في تلك المرحلة الزمنية، والتي يتراءى لنا أن بعضها يضاهي من حيث النوعية ما جمعه الشاعر في “كلمات كلمات كلمات”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*