أنتم لستم موارنة وأنا لستُ مارونكم

عقل العويط
المصدر: “النهار” 9 شباط 2018

اللوحة، بريشة الرسام مارون الحكيم.

رسالة من مارون الراهب إلى الموارنة.

يحقّ للراهب مارون، أن ينفض يده، الآن، وهنا، وأن يعود إلى صحرائه الأولى، صحراء الروح المجروحة بالله، الصافية اللطيفة الأبيّة النقيّة الكريمة المتعافية، صحراء الآباء القدّيسين والرهبان الثلاثمئة، منحازاً إلى التعبّد تحت سماء الشظف والفقر والزهد والوحدة، مفضّلاً الخبز المبلول برائحة الغيم والنجوم وورع الأرض، على رفاه العيش تحت قباب الكنائس الوثنية، وفي ظلّ الرعاة والرعايا الوثنيين.

يحقّ لصديقي الراهب مارون هذا، أن “يهرب” من موارنته، وأن يغمض عينيه عنهم، طالباً الليل والبرّية، بما فيهما من عذابٍ وقحط وتشرّد وتيه، مُنكراً ضوء “الموارنة” هؤلاء، وهو الضوء الأرعن الخادع، الذي يقيمون فيه، متخلّين عن المعنى، والفكرة، والرمز، والرسالة.

يحقّ لمارون هذا، أن يشعر حيال “موارنته” هؤلاء، وخصوصاً في لبنان، بالخيبة التي رمَوه في جبّها الفظيع، حيث المادية المطلقة، والأنانية المطلقة، والكراهة المطلقة، والأحقاد المطلقة، والانتهازيات المطلقة، والوثنيات المطلقة.

مواضيع ذات صلة
لبنان مريض: هذا داؤه وهذا دواؤه!

لقد أُعذِر مَن أنذر!

المايسترو والأوركسترا
لو جاء مارون هذا، اليوم، إلى هنا (وهو بالتأكيد لن يجيء)، لرأى، وعاين، وشهد، كما يجب أن يرى ويعاين ويشهد. ولكان صرخ علناً وليس في سرّه الدفين، متبرئاً منهم. ولَما كان اكتفى بالتبرؤ، بل كان ليحمل كرباجه ويدخل إلى هيكل هؤلاء، طارداً إياهم إلى الظلمة البرانية.

لكن مارون هذا، لن يجيء إلى هنا، ولن يجيء خصوصاً الآن، إلى لبنان، لأنه سيظلّ في الـ”هناك”، حيث لا مكان مكان بذاته، بل الأصالة، أصالة الروح، مفضِّلاً الخبز المتقشف الناشف المكسور بالصدق والأمانة والنزاهة والحبّ والتواضع والألفة، على كل الموائد العامرة بخبز هذا العالم، المخبوز بالأيدي المتسخة، أيدي الخداع والكذب والخيانة والبغض والتكبّر وازدراء الآخر.

أرى إلى هؤلاء “الموارنة”، في لبنان تحديداً، فأتساءل: ماذا يفعل هؤلاء بمارونهم هذا؟

منعاً، لكلّ تعميم، أقول إنني لا أقصد الموارنة كلّهم. “هؤلاء”، على كلّ حال، ليسوا كلّ الموارنة. وهذا شانٌ مفروغٌ منه. لكنهم يصادرون الموارنة. بل يصادرون مارون نفسه الذي لا يبتغي لنفسه أيّ شيء مما يبتغونه له، ولأنفسهم.

إنهم في ما يبتغونه لخاسئون.

مارون هذا، يريد الإنسان الإنسان. والإنسان هذا، هو إنسان الأخلاق والقيم والمعايير والعقل والثقافة والفكر والروح، إنسان الشرف والكرامة والسيادة والقانون والدولة والدستور والحقّ والعدل والنزاهة والحرية والديموقراطية.

مارون هذا، إذ يريد الإنسان الإنسان، فهو بالطبع لا يريد الجاه. ولا هو يريد العالم. ولا هو يريد المناصب. ولا هو يريد استعادة “الحقوق المهدورة”. ولا هو يريد “التوازن”. ولا هو يريد التقوقع. ولا هو يريد الارتماء في حضن مالٍ، أو سلاحٍ، أو في حضن دولةٍ، أو في حضن أحد.

إنه يريد الارتماء في حضن الله.

مارون هؤلاء “الموارنة”، ليس هو ذلك المارون، المقيم في الصحراء، المتطلع إلى رؤية الله ومعاينته، والصعود إلى ألوهته.

“مارون الموارنة” هؤلاء، هو “مارون الدجّال”، “مارون” المنصب والسلطة والجاه والنفوذ وتقاسم الحصص وتبادل النهب والسرقة واللصوصية والتفاهة واللهاث الراكض وراء مال الفقراء والجياع والناس الأوادم.

وهو ليس من مارون الحقيقي في شيء.

وإذا كان لا بدّ من “صحراء” لمارون وللموارنة الحقيقيين، فالصحراء المقصودة ليست مكاناً، ولا هي في الزمان. إنها الصحراء التي ليست بمكان، ولا مكان فيها إلاّ للحقيقة والحقّ والحرية وكرامة الإنسان.

هكذا، لن يستطيع “الموارنة” الدجّالون هؤلاء، أن يستولوا على مارون، ولا على الموارنة.

و… إن استولوا على مناصب هذين المكان والزمان.

“عندما تحزّ المحزوزية”، سيخرج مارون الراهب في الهجعة الأخيرة من الليل، ليصرخ في برّية “الموارنة” هؤلاء، في لبنان خصوصاً، وهنا.

وسيقول لهم، ما سيقوله أيضاً بدون تعميم: أنتم لستم موارنة، وأنا لستُ مارونكم!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*