أنتخب ضد…

 



عبده وازن
ا
لحياة
30042018

كان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ينتقد فكرة الانتخابات على اختلافها، ويسخر من ديموقراطيتها الخادعة. وقد يكون مستغرباً فعلاً أن ينتقد سارتر ظاهرة الانتخابات في بلد ديموقراطي، عريق في ديموقراطيته مثل فرنسا. لكنّ صاحب “الوجود والعدم” كان يدرك أن اللعبة الانتخابية تظلّ هي نفسها، سواء في بلد ديموقراطي أو شبه ديموقراطي أو ديكتاتوري، ما دام الذين يمسكون بزمام السلطة، جهاراً أو خفيةً، هم أنفسهم، يفرضون ألاعيبهم ويبرمون صفقاتهم تحت شعارات براقة. وفي لبنان الذي ينعم بحال ديموقراطية فريدة في طبيعتها، ذات وجه طائفي ومذهبي وعائلي وحزبي واستهلاكي… تغدو الانتخابات النيابية هذه السنة أشبه بـ “بازار” مفتوح أو سوق تتضارب فيه الأسهم واللوائح والأصوات. وما زالت تهيمن حتى الآن روح “القطيع” على الجماعات والأفراد، رغماً عن صعود حركات التيار المدني والمواطنة والعلمانية… اللبنانيون لا تعنيهم برامج المرشحين ولا مواقفهم ولا آراؤهم. اللبنانيون يعيدون انتخاب نوابهم من دون أن يحاسبوهم أو يسألوهم عما أنجزوا وحققوا. بل هم يغضّون الطرف عن أخطاء نوابهم وعن فضائحهم وصفقاتهم. المهم أن يحقّقوا انتصاراً ولو وهمياً على الآخرين، مواطنيهم الخصوم، مذهبياً أو طائفياً أو عشائرياً أو سياسياً… إنهم ينتخبون لتبقى الطائفة وتبقى الزعامة ويبقى الحزب. حتى المواطنون الذين ترتفع أصواتهم قبل الانتخابات، معترضين على ظروف حياتهم الخانقة، على الفقر والبطالة، ومحتجين على الفساد المستشري وفضائح الكهرباء والنفايات… حتى هؤلاء يتدافعون إلى صناديق الاقتراع لينتخبوا بحسب أهوائهم الطائفية أو المذهبية أو العشيرية. أمام صندوق الاقتراع ينسون أو يتناسون ظروفهم الصعبة، يتناسون الفساد والسرقة والفقر. هذه الشؤون يتذكرونها لاحقاً، بعد أن تقفل الصناديق، ويرجع معظم نوابهم إلى مقاعدهم في مجلس ما برح يجدّد لرئيسه بعد نحو ربع قرن من جلوسه على كرسي الرئاسة. لكن “البازار” هذه السنة سيحمل إلى المجلس رجال أعمال وتجاراً كباراً لم يعهد المجلس من يماثلهم سابقاً. هذه السنة، ووفق النظام الانتخابي النسبي الجديد الذي أنهى زمن النظام الأكثري، دخل الثراء على الخط ولاحت في الأفق غيوم محشوة مالاً أو دولارات. وقد تبلغ الأصوات علناً أثماناً مرتفعة كما يشاع. وكان واضحاً “تقاتُل” لائحتين وطنيتين على مرشح يعادل وزنه ذهباً. طبعاً هناك اللبنانيون الذين يعرفون كيف يستفيدون من اللعبة الانتخابية مادياً وسياسياً، لكنهم قلة قليلة. البقية معظم البقية، لا يلحسون سوى المبرد، كما في قصة ابن المقفع. كل ما يهمّ اللبنانيين هو هيبة الطائفة وسطوتها. كل ما يهمهم هيبة الزعيم وسطوته.

أفضل أمثولة تعلمتها من الانتخابات اللبنانية هي أن أنتخب ضد: أنتخب ضد فلان وليس مع فلان، ضد الحزب هذا وليس مع الحزب ذاك، ضد ذاك الزعيم وليس مع زعيم آخر. من أصوّت له لا أصوّت معه بل ضد من ينافسه، لأنني ضد هذا المنافس تحديداً. وقد يسألك أحدهم: أليس هناك من المرشحين من يستحقون أن تصوت لهم؟ طبعاً. لكنني محكوم بقضاء أو دائرة لا أستطيع أن أتجاوزهما. وغالباً لا تجد من تتحمس له في قضائك أو دائرتك الانتخابية- الجغرافية. طبعاً هناك مرشحون أصفياء ومستقيمون، لا دم على أيديهم ولا مال حراماً في جيوبهم. هناك مرشحو التيارات المدنية، المثقفون والعلمانيون أصحاب المبادرات الجديدة. لكنّ البؤس أنك في حسبان النظام الانتخابي اللبناني، محكوم بـ “خانتك” المذهبية، وإن كنت علمانياً أو “لا ادرياً” أو غير ديني.

أصوّت ضد ولو كنت غير مقتنع بمن أصوّت له. الصوت ضد يكون له أثر مثل الصوت مع. مثلاً أصوت ضد الفاسدين، ضد الطائفيين أو المذهبيين جداً، ضد المبالغين في عصبيتهم، ضد الذين يتجاهلون ذاكرتهم، ضد الذين ينقلبون على مبادئهم بحسب مصالحهم. أصوّت ضد حزب “السلاح” أو “الدويلة” التي تكاد تكون أقوى من الدولة، ضد رموزها وأطيافها. أصوّت ضد حزب يصادر قرار بلد بكامله تحت شعار مقاومة هي طائفية بل مذهبية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*