أنا اللغة العربيّة الأمُّ، وقُرَيْشٌ أمّي  

يقرأون تاريخاً لا رأس له. مجرّد معدةٍ وقدمَين.

تاريخٌ لم تعُدِ الشّجرةُ فيه تلوِّح لأختها. لم يعد الوادي يتحدّث مع جيرانه،

ولا الجبلُ ينحني تحيّةً للجبل الآخر ـ صديقه.

ولماذا تتكلّم هَمساً، أنتَ أيّها البابُ الذي يعانق الرّيح؟

*

سأقرأُ تلك الشّجرة التي تفيّأَتْها طفولتي.

أُشْعِلُ حول أبجديّتي شموعاً خبّأتُها في أحلامي،

وأضربُ حول هذه الشّموع أسواراً من الأقلام والدّفاتر والكتب،

سأقيمُ حفلاً راقصاً أدعو إليه عناصرَ الطّبيعة، بعد أن أُقنِع الكلماتِ كلَّها بأن تحافظ على صمتها الكامل.

سيكون الصّمتُ في هذا الحَفْلِ النّاطقَ الوحيد.

هكذا أحتفي، أنا اللغةَ العربيّة ـ الأمَّ، بالمَوتى فيما يُسرِجُ الموتُ

خيولَه زاحِفاً نحوي.

خذي منديليَ أيّتها الكواكب، وامسحي دموعَك التي تهطلُ

دماً.

الزّمن اجتاز أسواريَ كلّها ـ أدعوكِ أن تضعي هذا المنديل

حجاباً على عينيكِ،

اتّقاءً للغشاوة التي تتربّصُ بهما.

*

انظري، تبصّري :

رجلٌ يتسلّق سورَ الليل لكي يكونَ أكثرَ قرباً إلى قمر الأنوثة.

رجلٌ يضع أبجديّتي على رأسه قبَّعةً في شكل سلحفاةٍ.

رجلٌ يقول إنّ حروفَ الأبجديّة ليست إلاّ رماحاً مُنَوَّرةً تحرس

السّماء.

رجلٌ قائمٌ بذاته لذاته في أمّةٍ قائمةٍ بذاتها لذاتها في وطنٍ قائمٍ

بذاته لذاته.

رجلٌ اقرأْ لا أقرأ.

رجلٌ كتابٌ مُغلَقٌ ومختوم بشمعٍ أحمر اسمه الهرطقة،

وتلك هي فاتحته:

«أظنّ أنّ الملائكة هم الأكثر قبحاً بين المخلوقات.

ربّما لهذا نذر كلٌّ منهم حياته

لكي يثقبَ الهواءَ

ولكي يخيطَ الماء».

وأنا اللغةَ العربيّة ـ الأمّ، أستغفر اللهَ ممّا أنقل، هو الذي علّمنا أنّ

« ناقلَ الكفر ليس كافراً».

ما هذه اللانهاية ُالتي لا ترى نفسها إلاّ في الشّرَر والغبار؟

ما هذه الفانِيَةُ الدّنيا التي تؤكِّد أنّها ليست إلاّ بستاناً خالداً للقمامة

التي تلفظها جراثيم الكون؟

ألَن تعترفي أخيراً أيّتها الشّمس؟

تجرّأي الآنَ وقولي لمن يُصغون إليكِ أن يسألوا باسمكِ:

« ما الذي يجعل هذا الكون الذي تديرينه،

مريضاً لا يشْفى»؟

أنا اللغة العربيّة ـ الأمّ، سأعيد ابتكارَ تاريخي.

لكن كيف أغفر التأخُّر والانحلال والتفسُّخ؟

سأغفر. سأغفر.

يجب أن تبدأ الإشارة: أن ترقص أيّها النّائم. وأن تتحرّر

أيّها المُقَيَّد:

أن تُحسِنَ القراءة، خصوصاً،

لكي تُحسِن التحرُّر، وكتابة التحرّر.

الجهلُ، اليوم، قراءتُنا الوحيدة

الأمّيّة، اليوم، معرفتُنا الأولى.

إذاً خُذِ الحقيقةَ من قدَمَي طفلةٍ ترقصان.

لا يقينَ إلاّ رقصاً. لا يحضر الجسدُ ببهائه الكاملِ

إلاّ رقصاً.

أنا اللغةَ العربيّة ـ الأمّ،

أعرف لماذا تحبّ يدُ الطبيعةِ أن تُلامِس البشرةَ الآدميّة.

لكن، لا أعرفُ لماذا تُصِرُّ الرّيح على أن تبتكرَ من الرّمل

أنهاراً وبُحَيراتٍ.

*

أنا، اللغةَ العربيّة ـ الأمّ،

تحتَ سُرَّتي طائرٌ مُتعَبٌ يحارُ كيف يوشْوِشُها،

لكي ينقلَ إليها حبَّه ـ الآن، في هذه اللحظة،

فيما يُصغي إليَّ أُوشْوِشُ الكون:

البلادُ التي تُذبَحُ الآنَ أمٌّ،

البلادُ التي تُذبَحُ الآن طفلٌ.

*

أنا اللغةَ العربيّةَ، وقريشٌ أمّي:

هل أشكو أمّي إلى أبي، أم أشكو الثّاني إلى الأولى؟

ولِمَن أشكو أبَويَّ؟

*

الحليبُ الذي انبجسَ من الحرف ألِف،

يتدفّقُ مسكوباً في شعوبٍ من الكواكِب والمجرّاتِ،

مختومةً بالحرف ياء.

المعجمُ دمٌ. الأبجديّةُ محيطٌ. ولا سفنٌ إلاّ رؤوسٌ مقطوعةٌ

وأجسامٌ تُشَرِّحها السّيوف.

قال الرّمحُ، ينبذُني:

تابعي الرّقصَ في السّلاسل، أيّتها اللغةُ ـ الأمّ.

قال الطّبلُ:

هَيُّ بنُ بَيٍّ مفتاحُكِ، إذاً، أيّتها الأمّ.

نخلَةٌ ـ لا من الشّرقِ، لا مِنَ الغرْب.

رمْلٌ، وهَيُّ بنُ بَيّ.

*

هُوَذا المعنى يتّكِئ على وسادة هَيِّ بنِ بَيٍّ،

ويرضع ثدْيَ الصّورة.

هي ذي الصّورةُ تتّكىء على الوسادة نفسها،

وتترَشَّفُ رُضابَ المعنى.

هَيُّ بنُ بَيّ جنودٌ وحرّاسٌ، أعراقٌ وأمَمٌ، مناجِمُ ولغاتٌ،

وما شاء الله.

*

وها هي شمسُ التاريخ تبصق دماً، باسم هَيِّ بنِ بيٍّ،

تسمّيه إكسيرَ الواقع.

*

الأمّةُ مأخوذةٌ برياضة الصّيد،

كلّ لحظةٍ تصطادُ طفلاً،

تعلِّمه كيف ينامُ تحت لِحافٍ

تنامُ تحتَه فأرةُ المستقبل.

أنا اللغة العربيّة الأمّ، أحبّ

شمعةً تبكي،

كلّما رأتْ سيفاً يقطع اليدَ

التي تُشعِل الضّوء.

وأحبّك، أنتِ أيّتها النّجمةُ التي تعشَق النّومَ قربَ شمعةٍ تنطفىء.

*

أنا اللّغة العربيّة الأمّ، أشهد

أنّني أرى في الأفقِ عشّاقاً ساهرين يقدّمون

لعشيقاتهم وروداً لا يعرفها أحدٌ غيرهم.

وأشهدُ أنّني أسمع مَن يقول مُكرِّراً صارخاً في وجهِ سائلٍ

مُشرَّدٍ:

ـ «نعم، عليه أن يقتلَك»،

«نعم، عليك أن تقول له: أحْسنتَ».

*

بشرٌ يغرزون قرونَ شهواتهم في طفولاتٍ صمّاءَ بكماءـ

أهؤلاء هم أنا؟

مَهدٌ للغشاوةِ، قبرٌ للعماوةِ، وبينهما سريرٌ ينزف موتاًـ

أهذه هي أنا؟

غيومٌ تنفر منها السّماء وتطاردها الفضاءات،

غير أنّها تُنذِر بالرّعدـ

أهذه هي أنا؟

صَرَخَتِ الأوديةُ، صرخت الحقولُ والجبالُ، صرخت الغابات

والصّحارى، هرباً من صراخ الصّواريخ ـ

إنّها نارُ اللحظة

تلتهم التاريخ.

أستسلِمُ إليكَ ـ

خُذني في سفينتك، أيّها العطرُ الهاربُ،

اقذفْني إلى شاطىءٍ يعرف كيف يمدّ ذراعيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*