أم كلثوم في رحلتها الأولى إلى بلاد الشام

محمود الزيباوي|السبت25/11/2017

Almodon.com


أم كلثوم 1931

بعد 42 سنة على غيابها، عادت كوكب الشرق إلى لبنان، مساء الأحد الفائت، من خلال فيلم وثائقي للمخرج الفرنسي كزافييه فيلتار بعنوان “أم كلثوم صوت القاهرة”، عُرض في مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية. ومع هذا العرض، عاد السؤال: متى غنت أم كلثوم في لبنان أول مرة؟

بعد بحث متأنّ، يمكن القول ان هذه الزيارة تمّت في نهاية صيف 1931، وكانت ضمن جولة شملت سوريا ولبنان وفلسطين، وحققت نجاحاً كبيراً شهدت له الصحافة التي رصدت الحدث. رافقت مجلة “الصباح” المصرية هذه الجولة خطوة خطوة، وأعلنت في 28 آب/أغسطس عن الاتفاق الذي تمّ أخيراً بين “الوجيه السوري المعروف” أحمد أفندي الجاك، وأم كلثوم، لأحياء سلسلة من الحفلات في سوريا ولبنان وفلسطين، وقالت إن كل المفاوضات حصلت بين الوجيه وبين المطربة الكبيرة شخصياً، إلى أن أُبرم الاتفاق الأخير بواسطة “صديقه الحميم الشيخ عبد الرحمن البدوي صاحب مطبعة الرغائب”. وبعد أسابيع، عادت المجلة ونشرت نص العقد كاملاً، وتبين أنه يقضي بإقامة عشرين حفلة لقاء مبلغ 220 جنيه تتقاضاها أم كلثوم وفرقتها، على ألا تتجاوز فترة الإقامة أربعين يوماً.


في حلب، مع شقيقها خالد أفندي، وكيل أوديون خشادور شاهين، أحمد الجاك، والموسيقار كميل شامبير.

أبحرت أم كلثوم على متن الباخرة الأميركية “أكس كمبيون” يوم السبت 29 آب/أغسطس، ورافقها في رحلتها شقيقها خالد أفندي وأعضاء تختها الذي ضمّ الملحن والعواد محمد القصبجي، القانونجي محمد العقاد، والكمنجاتي كريم حلمي. وكان في وداعها جمع كبير من رجال الأدب والفن. تأثرت أم كلثوم عند إقلاع الباخرة، وبكت من شدة الانفعال، وفوجئ الجميع ببكائها، فالمعروف عنها انها “فتاة جبارة لا يهيجها ويحرك ساكنها الا أمر عظيم”.

استقبل العاملون في الباخرة الضيفة الكبيرة بحفاوة بالغة، ورفعوا صورها في غرف القبطان والعاملين، وساروا في جو هادئ، وبلغوا ميناء يافا يوم الأحد. رحّب جمع من أعيان يافا بالنجمة القادمة من مصر، وأقاموا حفلاً على شرفها، بعدها واصلت الباخرة رحلتها، وحطّت في حيفا حيث كان في انتظار أم كلثوم جمع آخر من الأعيان والوجهاء والأدباء.


في ميناء بيروت، بين شقيقها خالد أفندي والشيخ عبد الرحيم بدوي.

بعد هذه المحطة، تابعت أم كلثوم هذه الرحلة، ووصلت في نهاية الشهر إلى بيروت حيث استقبلتها زوارق رفعت عليها الأعلام المصرية وسط باقات من الأزهار والرياحين، وكان بين هذه الزوارق زورق بخاري يحمل فرقة موسيقية تصدح بالسلام الملكي المصري. نزلت أم كلثوم من الباخرة كعروس البحر، واستقبلها المئات، وعلى رأسهم أحمد الجاك الذي قدم حاملاً باقات الزهور، والتقطت بهذه المناسبة مجموعة من الصور. توجهت أم كلثوم إلى النادي الموسيقي، واصطف الناس على أرصفة الشوارع لتحيّتها. بعدها انتقلت إلى بلدة عاليه حيث أعدّ لها الجاك “منزلاً خاصاً فُرش بأفخر أثاث”، ومكثت في هذه البلدة ثلاثة أيام للراحة من أعباء السفر. أحيت أم كلثوم حفلتها الأولى في الثالث من أيلول/سبتمبر، وغنت على خشبة “التياترو الكبير” في بيروت حيث استُقبلت بعاصفة من التصفيق استمرت خمس دقائق. وأحيت حفلتها الثانية على هذه الخشبة، وكان بين الحاضرين السياسي المصري العريق مكرم عبيد الذي صعد إلى المسرح عند انتهاء الوصلة الأولى، وصافحها وهنّأها، وقال لها: “لقد رفعت رأس مصر والمصريين في عالم الفنون الجميلة”، فشكرته، ثم عاودت الغناء، وتجاوب معها الجمهور، وطالب بالمزيد، فاستمرت في الغناء حتى الثانية والنصف ليلاً. بعد بيروت، أحيت أم كلثوم، مساء الأحد، حفلة كبيرة في صالة فندق الجبيلي في عاليه، تمايل الحاضرون في هذا الحفل طرباً مع كوكب الشرق، “فكانت تراهم سكارى وما هم بسكارى”، وامتد الحفل حتى الثانية والنصف، صباحاً كما حصل في بيروت.


4 في دمشق، عدسة فؤاد صعب.

أجرى الأديب فؤاد حبيش، في هذه المناسبة، مقابلة مع أم كلثوم، نُشرت في صحيفة “المعرض” اللبنانية، وفيها قالت المطربة إن القصيدة هي أحب أنواع الغناء إلى قلبها. كما تطرّقت إلى مسألة التجديد في الموسيقى العربية، واعتبرت ان الغناء العربي في تقدم مضطرد، وأضافت: “أما الموسيقى الغربية فلا أرى اننا في حاجة قصوى الى الاستعانة بألحانها، بل أرى على عكس ذلك أننا في غنى تام عنها”. انتقل فؤاد حبيش في حواره إلى الحب والزواج، وكان ردّ الآنسة التي كرّست نفسها لمهنتها: “انا منصرفة بكليتي إلى فن الغناء، حتى ان تفكيري لا يخرج عن دائرته. أما قلبي فيحرسه جنود الفن، والمستقبل لله وحده”. في الختام، أعربت أم كلثوم عن اعجابها بلبنان وبأهله، وقالت لمحدّثها: “إني اعاهدك على العودة كل سنة إلى لبنان، ان لم يكن للغناء، فللنزهة”.

بعد هذا الحديث، نشرت صحيفة “المعرض” مقابلة أخرى تحدّث فيها محمد القصبجي عن مشواره مع أم كلثوم. وصف فؤاد حبيش نشوة القصبجي على المسرح، وقال إنه رآه يتناول رأس المطربة بيديه وعيناه مغرورقتان بالدمع ما إن أُنزل الستار، فسأله: “ويحك، ماذا تفعل؟” فأجاب في لهجة السكران: “انني مسحور، ألم تسمع الألحان الجديدة التي ارتجلتها أم كلثوم تحت تأثير طرب الجمهور وهي تنشد ان كنت اسامح؟”. و”إن كنت اسامح” هي أول أغنية من قالب المونولوج غنتها أم كلثوم، كتب كلماتها أحمد رامي ولحّنها القصبجي، وسُجّلت سنة 1928 على أسطوانات بيع منها مليون نسخة، وكانت فتحاً في عالم الغناء العربي، كما يُجمع أهل الاختصاص.

من عاليه، انتقلت أم كلثوم إلى دمشق، ووصلت إلى عاصمة الأمويين في السابع من أيلول/سبتمبر، وأستقبلها الوجهاء والأكابر في دُمَّر. قامت جمعية “الهداية الإسلامية” بتوزيع منشورات “تدعو فيها الأهليين إلى مقاطعة المطربة بدعوى انها من البدع الضارة، وأن البلاد التي تئن من الأزمة المالية والضائقة الاقتصادية ليس بمقدورها ان تدفع آلاف الجنيهات”، لكن الجمهور لم يصغ إلى هذه الدعوة. في اليوم التالي، أحيت كوكب الشرق أولى حفلاتها الدمشقية على خشبة الأوبرا العباسية، ثم أحيت حفلة نهارية للسيدات، وحفلة أخرى للعموم مساء الخميس. حققت أم كلثوم في دمشق نجاحاً هائلاً، دفع أحمد الجاك إلى أقامة حفلتين إضافيتين، علاوة على الحفلات الثلاث المقررة. كتب الصحافي رشيد الملوحي: “شهد الحفلة الختامية لمطربة الشرق أم كلثوم، خمسة آلاف نسمة، في حديقة الأمة، وكان اعجابهم بما سمعوا يفوق الحد، وغادرت أم كلثوم مودّعة بمظاهر الحفاوة، وتبرعت بمئة وخمسين ليرة للجمعيات الخيرية”.


مع متعهد حفلاتها الوجيه أحمد أفندي الجاك في ميناء بيروت

تابعت أم كلثوم جولتها الفنية، وأحيت حفلاً في 15 أيلول/سبتمبر على مسرح زهرة الفيحاء في طرابلس، ثم أحيت في اللاذقية حفلتين. وعادت إلى عاليه لتغني في منشية البلدية، ثم غنت على خشبة كازينو ألفونس في بيروت، وأحيت بعدها حفلة عامة للرجال، وأخرى خاصة بالسيدات، وذلك نزولاً عند طلب العائلات البيروتية التي تابعت نشاطها في دمشق. ثم انتقلت أم كلثوم إلى حلب، حيث حققت نجاحاً فاق كل وصف. شهد الموسيقار كميل شامبير هذا النجاح، وكتب مقالة استهلّها بقوله: “أحيت المطربة النابغة أم كلثوم ثلاث ليال غنائية في حلب، في وسعي ان أقول إنها من ليالي الدهر، فقد كان الإقبال عظيماً على هذه الليالي، وكانت الصالة تضم كل ليلة ما يربو على ثلاثة آلاف نسمة، كلهم من صفوة القوم ومن أحسن هواة الغناء الذين يقدرون الموسيقى ويتذوقون حلاوتها بفهم وتقدير”.

بعد حلب، أحيت أم كلثوم حفلة في حمص، ثم سافرت إلى حيفا حيث استقبلتها الكشافة الإسلامية، وأحيت حفلتين أقبل عليها الناس اقبالاً عظيماً. ثم قدّمت حفلتين على مسرح مدرسة الفرير في يافا، وختمت جولتها بحفلتين في القدس، ثم عادت مع فرقتها إلى وطنها، ووصلت إلى القاهرة مساء 12 تشرين الثاني/أكتوبر. تحدّثت مطولاً عن جولتها إلى مجلة “الصباح”، ووصفتها بـ”التاريخية”، وأعربت عن اعجابها الشديد بالجماهير التي حضرت حفلاتها، وقالت إن الحضور كان “على جانب عظيم من التعليم والتهذيب والثقافة، وتقديرهم للأغاني الأدبية واعجابهم بها واستعادتها جعلني أشعر في كل حفلة أحييتها بسرور نفساني عميق”.

وأضافت في الختام: “أرسل تحياتي لجميع الذين شرّفوني بحضور حفلاتي في سوريا ولبنان وفلسطين، فإلى تشجيعهم وحسن تقديرهم للفن، يرجع الفضل في ما صادفته رحلتي من التوفيق والنجاح”.ن

إقرأ المزيد على صفحات المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*