ألغاز موتى دفنوا قبالة “النهار” تتكشّف… أسبوعٌ يفصلنا عن الحقيقة؟

المصدر: “النهار”

26 آذار 2017 |

المشهد من الطابق السادس في مبنى جريدة “النهار” في وسط بيروت يثير الفضول. كيف تسري اعمال التنقيب عن الآثار في الموقع المحدد لانشاء متحف بيروت التاريخي؟ انها ورشةٌ ضخمة، اذ تكثر آليات الحفر والشاحنات الغارقة في نقل الاتربة خارجاً. منذ اشهر، والعمال لا يملّون التنقيب. يوماً بعد يوم يتضح الشكل الهندسي للمساحة الجغرافية المذكورة، يحرص العمال على الحفر في اماكن محددة متقاربة، على مساحة جسم انسان ممدد، او ما يشبه اللحد. وفي الأسابيع الأخيرة، تضاعفت اعداد المتواجدين في المكان، والكل يبحث ويدقّق ويفتّش في التراب، وكأن ما يحصل أشبه بالبحث عن كنز مفقود، او كمعاينة ابرة في كومة قش. قد تكون هذه المشهدية اختصاراً واقعياً لانطباعات كلّ من يمرّ من امام مبنى “النهار” على غفلة، او يومياً للوصول الى مكان عمله. فماذا يخبئ المنقبون؟
عندما تسأل الحفارين عن اللغز، يقولون أنهم ينقبون عن آثارٍ في الموقع المذكور المحدد لانشاء متحف بيروت التاريخي. ماذا عن تفاصيل الاثار؟ انها عظام بشرية، واضحة كعين الشمس، يمكن معاينتها بوضوح عند الاقتراب من المكان. الحجارة التي تحيط الهياكل العظمية تؤكد وجود مقابر ومدافن قيل انها عبارة عن مقابر اسلامية نظراً لطريقة الدفن التي تبدو جليّة. لكن، وفي معلومات ننقلها عن مصدر متابع لسير العمل في ورشة التنقيب (فضل عدم ذكر اسمه)، “لا يمكن حتى الساعة التأكيد اذا ما كانت الهياكل البشرية عائدة الى مقابر اسلامية او غير اسلامية. اذ انها لا تزال قيد الدراسة، والنتائج حتى الساعة تشير الى حقبات تاريخية متعدّدة تم خلالها استخدام البقعة المذكورة لدفن الاموات، وتالياً فان العظام قد تعود الى فئات عديدة ومتنوعة، من غير الممكن حصرها او تحديدها لأن اعمال التنقيب لا تزال جارية”.
باشر المنقبون الحفريات الفعلية منذ نحو اسبوع، ولم ينقبوا سوى عن عددٍ قليل من المقابر التي تعود الى ما بعد القرون الوسطى. ولحظوا اتباع تقاليد جنائزية متعددة، ما يدحض مقولة “المقابر الاسلامية” حصراً وفق رأيهم، فيما الحكم النهائي يحتاج وقتاً، اذ ان نسبة التنقيب حتى الساعة لم تتعد 10 في المئة من مجموع الآثار المتوقع التنقيب عنها. ويدرس علماء الآثار، حتى الساعة، طبقة تعود الى الفترة العثمانية الممتدة من القرن السادس عشر الى القرن التاسع عشر، اي عودة بالزمن 300 الى 400 سنة الى الوراء، لا اكثر. ويتوقّع ان تتبلور الخطوط العريضة لهوية الهياكل البشرية في نهاية الاسبوع المقبل.

قد يجهل كثيرون منهجية عمل علماء الآثار، ويخالون ان تحليل العظام البشرية يتم من خلال دراسة العظمة بذاتها. لكن الحقيقة ان الخطوة الاولى في الدراسة تكمن في تحليل التربة واكتشاف الحقبة الزمنية التي تعود اليها الآثار من خلال قياس مستوى الطبقة التي وصل اليها الحفر. ويؤكّد المصدر المتحدث لـ”النهار” ان عدد علماء الآثار والمنقبين سيتضاعف في الاسبوع القادم، بهدف الكشف عن بقية المقابر والهياكل البشرية المتواجدة في المكان، وتالياً الوصول الى نتائج سريعة ودقيقة. ولا يحسم المصدر وجود حاجة لمزيدٍ من عمليات الحفر بغية الوصول الى طبقاتٍ أعمق في التراب، ما يعني تحليل حقبات زمنية تعود الى ما قبل الحقبة العثمانية، ذلك ان الدراسة لم تحدد حتى الساعة وجهة العمل اللاحقة، والنتائج المرتقبة هي التي تحدد خريطة الطريق.

العنصر الاهم في المعطيات التي توصل اليه علماء الآثار حتى الساعة، يكمن في القول ان الهياكل البشرية متعددة الاتجاهات وتالياً لا يمكن حصرها في “المقابر الاسلامية”. وكانت “النهار” قد اجرت حديثاً صحافياً مع المؤرخ والاستاذ في جامعة بيروت العربية حسان حلاق أكد خلاله ان “الهياكل البشرية التي تم اكتشافها في حفريات الموقع هي امتداد لـ4 جبانات لمقابر اسلامية ممتدة من مبنى سينما “بيبلوس” الى مبنى سينما “الريفولي” سابقاً”. لكن، في رأي المصدر الذي يتحدث من وجهة نظر عالم اثار ان ” المعلومات التاريخية تؤكدها او تنفيها الأعمال الاثرية بذاتها، ، وتالياً علينا انتظار نتائج التنقيب”.

اسبوع واحد، ويُكشف كلّ شيء، وفق المتحدث. كيف رقد الموتى الى جانب البحر؟ ولماذا رقدوا هنا؟ والى اي سلالات يعودون؟ حماسة علماء الآثار باديةٌ على وجوههم. واذا كانت نسبة الآثار المنقبة حتى الساعة بلغت 10 في المئة من مجموع تلك المتوقع الاطلاع على فحواها، فهذا يبشّر بكثيرٍ من المفاجآت التي ستعلنها الايام المقبلة. ويبقى التساؤل الأهم، حول الأسباب التي دفعت الشعوب المتعاقبة على اختيار هذه البقعة من الأرض وتحويلها مدافن.
تكاد تكون هذه الأرض من أجمل المواقع في لبنان اليوم، وتقدّر قيمتها بملايين الدولارات. كم تغيّرت بيروت!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*