أفول الجمهورية الخامسة!


سمير عطاالله
النهار
19042017

تسنى لي، كصحافي، أن اغطي معظم الانتخابات الرئاسية الفرنسية منذ الستينات. وخلال الحملات، حيث يسهل على الصحافيين مقابلة المرشحين، قابلتُ عدداً غير قليل منهم، من التروتسكي ألان غريفين إلى الرئيس فاليري جيسكار – ديستان. وكان الاكثر سهولة دائماً مقابلة مرشح الحزب الشيوعي، الذي كان يُحرز في كل انتخابات نحو خمسة ملايين صوت. فالشيوعيون أول من عرف أهمية الاعلام، وكانوا يشعرون انهم بلا مؤيدين خارج الحزب. وما كان يبدو آنذاك، سبقاً صحافياً في “النهار”، كان في الحقيقة بساطة الوصول الى جاك دوكلو، ثم جورج مارشيه، في المؤتمرات والمهرجانات.

وكان صاحب الجمهورية الخامسة قد وضع لفرنسا المستعادة من الفوضى والانقسام والانتهاك، عنواناً جريئاً: العظمة. أو الكِبَر. واصبح المصطلح معياراً في الرؤية الى احداثها ورجالها. ولم يكن فرنسوا ميتيران بعيداً من المعيار. لم يكن ديغول آخر، ولا أحد توقع منه أن يكون، إلا أنه لم يكن خارج سلم المقاييس. وعندما وصل الوصيف الديغولي جاك شيراك، شاباً وكاريزمياً وحيوياً، بدا كأن فرنسا والديغولية معاً، دخلتا مرحلة التجدد. عندما أذهب الى مقاهي السان جيرمان الآن، أراه إنساناً هرماً ومتعباً وعلى عكاز. أو يستند الى مرافقه.

منذ نهاية عهده، العام 2007، لم تعد الدنيا تتلطف بفرنسا، أو بجمهوريتها الخامسة. وبما ان الفرنسيين يعثرون دوماً على كلمات معبِّرة في وصف احوالهم، فالكلمة الشائعة الآن هي Morosité، وبما ان الفرنسية لغة لطائف وتوريات، فإن ترجمتها” كآبة” ليست في القاموس، بل في قراءة مجموعة المشاعر والمخاوف والتبرم والملل واليأس. فرنسا تدرك أن جرف السنوات الأخيرة قد ابعدها عن معيار ديغول. إنها تذهب الى الانتخابات هذه المرة، وهي بين رجال تكاد لا تعرف عنهم شيئاً، وامرأة ما تعرفه عنها يزرع الخوف في النفوس. دائماً كان خوف فرنسا مزدوجاً: من الأهل ومن الخصوم.

هل يمكن فرنسا أن تتحمل تراجيديا الانقسام الوطني مرة أخرى؟ إن البلد الذي يشكو من الكآبة هو الذي اخترع تعبير “لذة العيش” Joie de vivre. والدولة التي تعتبر نفسها وريثة “عصر التنوير”، تحيا خائفة من ظواهر المد الظلامي، الذي ضربها في مسارح باريس وشواطىء نيس، في يوم الحرية وذكرى سقوط الباستيل.

أعلن الرئيس فرنسوا هولاند ان فرنسا في حرب مع الإرهاب. لكنها ايضاً في حرب مع الفقر والضواحي المتفجرة والديون والركود والأسى. هل “الأسى” هي أقرب الى Morosité من “الكآبة”؟ عندما قام هولاند بزيارة ضاحية غرينيي، تبين له ان 60% من اطفالها ابناء عائلات تعيش تحت خط الفقر، وأن 40% من شبانها قيد البطالة.

فرنسا عشية انتخابات 23 نيسان، في “حالة حصار” متعدد. من أصل 70 الف سجين، 40% ذوو اصول عربية. وأوسع مدرسة للإرهاب هي السجون. يذكرك ذلك بأن السجناء السود هم الاكثرية في الولايات المتحدة. غالباً ما يكون السجن مدرسة للجريمة، وليس حداً لها.

في الازمات الكبرى تخطف أمزجة الناس ومُثلهم وقناعاتهم. في الاستطلاعات الاخيرة، تبين أن اكثرية الفرنسيين تؤيد عودة حكم الاعدام لأول مرة منذ ثلاثين عاماً. وفي انتخابات المناطق، عام 2015، نالت “الجبهة الوطنية” في الدورة الأولى 28% من الاصوات، أي اكثرية اليمين. وقرابة ضعفيّ ما ناله الاشتراكيون.

لم يعد الاتجاه نحو الجبهة وقفاً على الخائفين من الطبقات العادية، بل تعداه الى كبار مفكري اليسار واهل الاكاديمية. وقد دافع الفيلسوف آلان فنكلكروت عن نائبة قالت إن فرنسا دولة “للعرق الأبيض”. مثل هذه الأمور لم تكن متخيلة حتى في الحلقات الخاصة. فقد يستسهل الفرنسي ان تسميه حرامياً، لكنه يدعو إلى مبارزة إذا سميته عنصرياً. تلك هي الإهانة.

تغيرت اعماق فرنسا كثيراً. وبالنسبة الى متابع مثلي، لا تزال مقاييسه الجوهرية منذ نصف قرن. يجب أن يواجه عمق المتغيرات ويدرك أن الرومانسيات تصلح فقط لتجميل الامسيات وتبرير الحنين. لا يكفي أن نقارن فقط كيف بهتت الديغولية، أو كيف تراجعت الاشتراكية، بل لا بد أن نتمعن أيضاً في صعود يمين جان – ماري لوبن. عندما بدأت حركته العام 1972 كانت أشبه بشيء هزلي، مجموعة من الاستعماريين السابقين والبياعين وبقايا اتباع حكومة “فيشي”. لكن الجبهة الوطنية تطورت إلى أن اصبحت تمثل الطبقة العاملة وبعض الطبقة الوسطى، وحتى ما كان يمثله الحزب الشيوعي في الماضي.

كان المرشح الشيوعي في الماضي يفوز دوماً بنسبة لا تتغير تقريباً، ولا تشكل تهديداً لتركيبة الدولة والنظام. وغالباً ما بدا المسيو جاك دوكلو، بشكله المستدير وقبعته “البيريه” التقليدية، مجرد ملصق لاستكمال المهرجان. اليوم يبدو خطر مارين لوبن على اسس الدولة، حقيقياً ومفزعاً. وتشير الاحصاءات والاستطلاعات الى تزايد مخيف في شعبيتها في اوساط الشرطة والأمن. العام 2002 حل جان – ماري لوبن ثانياً بعد الرئيس المرشح جاك شيراك، متقدماً على الاشتراكي ليونيل جوسبان، وهو واحد من إثنين من البروتستانت اللذين اعطيا رئاسة الحكومة بعداً اخلاقياً بيوريتانياً. الثاني، كان ميشال روكار، الذي توفي قبل أشهر قليلة، مقللاً بغيابه عدد السياسيين الذين يتمتعون باحترام كلي وعام.

وكان الاشتراكي روكار، من أواخر اصدقاء لبنان، بالمعنى التقليدي. أي من خلال التعلق الرومانسي بتاريخه الفرانكوفوني، ومن خلال الصداقات الشخصية الكثيرة، ومعظمها في صفوف المسلمين، من جميع الطبقات.

طرحت فرنسا الديغولية، وحتى فرنسا الاشتراكية، مع ميتيران، نفسها، دولة صديقة للقضايا العربية، وخصوصاً الفلسطينية، متجاوزة الدول الاوروبية الأخرى، ومتجاهلة العداء الاميركي. ولم يكن موقفاً “مدوزناً”، بل حقيقياً. وانعكس ذلك على وضعها الداخلي ومشاعر المسلمين من مواطنيها. ولكن ماذا يعني تأييد القضية الفلسطينية اليوم للتونسي، الذي أغار بشاحنته على متنزهي “البرومناد دي زانغليه” في نيس، أو لبطل شاحنة استوكهولم اوائل هذا الشهر؟ من الممكن أن يتخيل المرء اعتداء على اي بلد في العالم، لكن أسوج كانت أكرم – مع الاصرار على التعبير ومعانيه وصيغ التفضيل – بلد فتح ابوابه للمهاجرين العرب وسواهم. إنه البلد الذي قُتل رئيس وزرائه، أولوف بالمه، وهو ذاهب الى السينما مع صديقته، من دون مرافق، أو حارس، أو سائق. تغيرت الدنيا الآن. كل التعابير التي كانت لها معانيها فقدت أجراسها: الوفاء والتسامح والتفكر. الكلمة للشاحنات، حتى في بلاد اسوج.

انتخابات رئاسية بلا الوان هذه المرة. بلا بهجات. وسأم كبير من السياسيين وأدائهم وضعف شخصياتهم، فيما البلاد في أمسّ الحاجة إلى شخصيات جامعة وموحدة. مثير للاشمئزاز أن تكون بين القضايا، توظيف زوجة، أو ابنة، أوابنتين قاصرتين، أو هديتين من البذلات المرتفعة الثمن . ثلاثون الف أورو ثمن طقمين للمسيو فيون. يا للهول. الفرنسيون لا يقرأون الصحف الاجنبية، وإلا لتابعوا ما يصرفه رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، على اناقته! بدأ السيد ناريندرا حياته يبيع الشاي في بقالة والده، وإليكم الاطقم التي تخاط خصيصاً له اليوم، وعليها اسمه بأحرف مطرزة. لا تدرك الناس أن الدنيا تغيرت: من “شملة” غاندي إلى “سترة” مودي التي يقال إنها خيالية التكلفة.

ينهي فرنسوا هولاند ولايته الأولى والأخيرة، وهو الرئيس الأقل شعبية في التاريخ. لكن الحقيقة أنه رجل دولة، وإنما سيئ الحظ. الزمن الذي لا يتلطف بفرنسا لم يعطه اي استثناء. وبدا في صورة عامة أنه رجل ضعيف، لكن لائحة انجازاته كرئيس دولة ليست قليلة نسبياً، إنما كل هذا لم يعد مهماً الان. فلم يعد رجلاً من المستقبل بقدر ما اصبح شخصاً من التاريخ.

وفي العادة، أن حكايات العشق خارج الزواج، تزيد كثيراً شعبية الرؤساء والسياسيين، ولكن حتى في هذه، مضت أخبار الرئيس بلا اثر يذكر. إنه البلد اذي يموت فيه الرؤساء في احضان عشيقاتهم، مثل فليكس فور، الذي عاتبت المدام فور العشيقة التي تحاول الهرب بالقول: “هل كان من الضروري أن تخيفينا يا عزيزتي”؟

ويقال إن شعبية فنسان اوريول في مدينته، تولوز، بلغت ذروتها، عندما ذكرت الصحف أنه نسي عينه الزجاجية في سرير عشيقته. لكن شعبية المسيوهولاند تدهورت حين ضبط بعد منتصف الليل راكبا “فيسبا” لزيارة صديقته. وعلى رأسه خوذة الحماية، تقيداً بقانون السير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*