أفكار تعود إلى عام 2008

27 كانون الثاني 2017
النهار

العهد الجديد انطلق بتوأمة المسؤوليات الرئيسية مع جهود الرئيس ميشال عون ورئيس الوزراء سعد الحريري، وظهرت معالم توافق على
منهجية تنشيط مجلس الوزراء تبعث على الطمأنينة علماً بان عمر هذه الوزارة مختصر حكمًا بسبب توقع انجاز الانتخابات النيابية سواء في ايار، أو بعد ذلك بثلاثة أشهر اذا قيض لنا ان يتفق النواب على مشروع قانون للانتخاب يؤمن تمثيلاً افضل لرغبات اللبنانيين وتطلعاتهم. ونعود هنا الى أفكار طرحناها عام 2008 في جلسة حوارية بين سعد الحريري وعدد من المسؤولين والمهنيين وكان الهدف تقويم الخطوات المطلوبة لتفادي تعرض لبنان واقتصاده لأخطار الازمة المالية العالمية.

خلال الجلسة الحوارية التي انعقدت في كانون الاول 2008 توجه سعد الحريري بالسؤال عن الخطوات الاحترازية المطلوبة الى محام لبناني ناجح على المستوى الدولي، كما الى رئيس أكبر شركة تدقيق محاسبي ذات جذور دولية.
تدخلت في المناقشة، وقلت للرئيس سعد الحريري إن مكاتب المحاماة الدولية كانت من أكبر المسؤولين عن الازمة لانها كرّست جهودها لحماية المصارف لا المودعين ولا السلطات الحكومية، وشركات التحقق المحاسبي والضريبي ومؤسسات التصنيف تشاركت في اهمال مسؤوليات التدقيق الحقيقي، فلا فائدة من آراء المحامين الدوليين أو شركات المحاسبة والتصنيف الدولية.
ربما من المفيد التوضيح ان ممارسات المصارف الكبرى التي أهملت مستوجبات الحفاظ على أموال المودعين والمستثمرين نتجت منها حتى تاريخه عقوبات مالية على أهم المصارف الاميركية والاوروبية تجاوزت الـ200 مليار دولار والحبل على الجرار.
أما مؤسسات التصنيف الدولية التي تصنف الاوضاع المالية والاقتصادية في العالم والمعروفة منها ثلاث، ستاندارد أند بورز، موديز وفيتش ابكا، فقد وصفها بن برنانكي حاكم المصرف الفيديرالي (المصرف المركزي الاميركي) بين 2006 و2014 بانها مؤسسات لا تلتزم الدقة والمعايير الاخلاقية، ووصفه هذا ورد في كتابه الصادر عام 2015 وعنوانه The Courage To Act أي “شجاعة القرار”. وهو يبيّن في الصفحة 282 من الكتاب ان شركتي ستاندارد أند بورز وبلومبرغ وفرتا التصنيفات للشركات التي تعاقدت معهما على التصنيف بسخاء، ولذلك كان بنك ليمان براذرز الذي أفلس في أيلول 2008 بالتزامات مقدارها 640 مليار دولار مصنفاً على أعلى مستوى من الصدقية، وكذلك الامر بالنسبة الى American Insurance Group التي كانت من كبرى شركات التأمين العالمية والتي كادت ان تفلس، لولا أعانة الحكومة اياها بـ180 مليار دولار وكان تصنيفها أيضاً ممتازاً.
في محاولة لمساعدة سعد الحريري على التطرق الى قضايا بالغة الاهمية عام 2008، وضعت مذكرة اشتملت على النقاط الآتية وعدم الانتباه الجدي لأي منها يظهر ابتعاد القادة السياسيين عن مشاكل المواطنين وقضاياهم.
على صعيد الاقتصاد الوطني خلال الازمة العالمية التي يرجح ان تمتد سنتين أو ثلاث سنوات، من المفيد تبني مشاريع ذات وقع ايجابي على توقعات اللبنانيين، ومن ثم على تفاؤلهم بالمستقبل، وذلك بعد الغاء غرامات التأخير عن ايفاء الضريبة على القيمة المضافة لمؤسسات اصبحت شبه عاجزة، وهذا الاعفاء يمثل الخطوة التشجيعية الاولى ذات التأثير المباشر.
بعد ذلك،
– علنيا استدراج عروض التنقيب عن النفط في المنطقة الواقعة بين البترون وطرابلس، والمسوح الجيولوجية والمغناطيسية كانت قد انجزت، كما ان مساحات العطاء محددة منذ عام 1976 عندما استدرجت عطاءات توافر منها تسعة من الشركات العالمية الكبرى، لكن المناقصة لم تجر لانها كانت ستتم في طرابلس حيث نشب قتال عنيف بين السوريين والفلسطينيين في ذلك التاريخ حال دون انجاز المهمة.
وجدير بالذكر ان قبرص استدرجت حديثاً عروضاً للتنقيب في أعماق البحر، وكانت قد انجزت اتفاقات مع لبنان على حقوق كل من البلدين في المياه الواقعة بينهما خارج نطاق المياه الاقليمية. وقد حصلت ثلاث شركات على عقود تنقيب عن النفط أو الغاز قبل ثلاثة أشهر، وبعد ثلاثة أشهر ستستدرج السلطات القبرصية عقودا اضافية لمناطق جديدة. وقد حققت قبرص اكتشافًا مهمًا للغاز وتعاقدت حديثاً على البحث مع ثلاثة أفرقاء عن مصادر اضافية من النفط والغاز.
وعلى سبيل التذكير، كانت لدى قبرص طاقة تكريرية توازي 30 الف برميل يومياً، أو مليون ونصف مليون طن سنوياً، وحيث ان منشئات هذه المصفاة تقادمت – في حين ان منشئات مصفاة طرابلس بطاقة 33 الف برميل انعدمت قبل سنوات – قررت سلطات قبرص تفكيك المصفاة القديمة واستدراج عروض لإنشاء مصفاة بطاقة تراوح بين 70 الفاً و 100 الف برميل يومياً.
– استنادا الى مبادرات قبرص وحاجاتنا الملحة، علينا اطلاق برنامج لانجاز مصفاة حديثة بطاقة 100 – 150 الف برميل يومياً لكفاية حاجاتنا وتصدير بعض المشتقات، ولدينا ارضية توفر بعض المطلوب في طرابلس، كما أن هناك شركات نفطية لبنانية على استعداد للمساهمة في انجاز مصفاة كهذه.
ولتأكيد حسن ادارة المصفاة، من المناسب توسيع قاعدة الملكية فيها الى أقصى حد مع حفظ نسبة 25 – 30 في المئة لفريق تقني لديه الكفايات والخبرات المطلوبة لانجاز العمل، وهذه المبادرة لا تحتاج الى سنوات بل الى بضعة أشهر فقط. وقد تنجزها شركة النفط الوطنية المقترح انشاؤها.
– ثالثة المبادرات بدء تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، والتجهيزات المطلوبة لا تستوجب أكثر من بضعة أشهر، وقد يكون من المناسب تخصيص هذا المطار لرحلات التشارتر والشحن الجوي، ولا يخفى ما قد تضيفه حركة هذا المطار الى فرص العمل في الشمال، والمساعي لتفادي اية مشاكل تعوق فرص اكتساب العيش، وتنشيط الاقتصاد اللبناني، وتخفيف الازدحام في مطار بيروت. وبعد احداث سوريا قد يكون لهذا المطار نفع اساسي للمسافرين السوريين ومستوردي بضائع الشحن الجوي.
ان هذه المبادرات تؤدي، وفي وقت قريب، الى زيادة الانفاق اضافة الى زيادة الاستثمار في تجهيزات مطار الرئيس معوض، وتأمين تجهيزات الشركات المختصة برحلات التشارتر والشحن الجوي.
أما استدراج عروض التنقيب عن النفط، فهناك امكانات مستقبلية جيدة والعروض ستشمل مدفوعات مباشرة عند توقيع العقود.
ومشروع انشاء مصفاة حديثة يؤدي الى تحريك استثمارات داخلية وخارجية تتجاوز الـ 1,5 مليار دولار وتضيف الى سوق بيروت فرصاً استثمارية تساهم في انتعاش السوق، وحتى في انتعاش العديد من الاسهم التي تستفيد شركاتها من تنشيط المطار وانشاء المصفاة.
أخيراً، أود لفت انتباه المجتمعين الى مقال وضعه رئيس شركة “نستله” صدر في الكتيب السنوي الذي تصدره مجلة “الايكونوميست”. يبين المقال بوضوح ان استعمال المياه لري المحاصيل التي ينتج منها الايثانول عملية تستهلك مقداراً ضخماً من أهم مورد لمستقبل البشرية، وهو الماء. ونحن في لبنان ننعم بتساقط كميات وافرة من المياه، ولدينا دراسات عن أوجه الاستعمال المفيد انجزت قبل سنوات، وكل ما فعلنا على مدى ثلاثين عاماً كان اتمام سد صغير في حين ان تنفيذ سياسة وطنية لحفظ المياه وتنقيتها هدف يكفي لتأمين مستقبل عيش اللبنانيين.
ارجو ان تشكل هذه الافكار منطلقات للمناقشة والقرار، والمعروف اننا نصدم دائما بالقول: هذه العملية غير قابلة للتحقيق، وتلك العملية سابقة لوقتها، الخ. ولو كان هذا المناخ سائداً لدى الرئيس رفيق الحريري لما انجز المطار والطريق اليه، وجسر ضهر البيدر، وترميم نحو 700 مدرسة، وانجاز السرايا الحكومية، ومبنى الجامعة اللبنانية، ومستشفى بيروت، ناهيك بما انجز في وسط بيروت من اعادة اعمار واعادة لحمة وتواصل وزهو.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*