أطلقت الرصاص على رجليها فدفنوها من دون تشييع… “14 آذار انتحرت”

أرشيف “النهار”.

13 آذار 2017 | 22:32

الوجدانيات تطغى لديهم على التحليل السياسي. ليس لدى من عرفوا طويلاً بأنهم ناشطو 14 آذار ما يقولونه سوى التنافس على اختيار المصطلح الأصخب درامياً لوصف واقع ما وصلت اليه 14 آذار اليوم. في ذكراها السنوية، يصوّرونها شهيدة، التحقت بشهدائها، او امرأة يائسة حملت المسدس وانتحرت بالرصاص، ورفض أحباؤها البكاء عليها، فدفنوها بصمت، من دون مراسم. وماذا لو ان بعضهم يخالها حيّة؟ تغيّر البلد كثيراً في 12 سنة. الحلم اختفى، وها هم “قادته” يعودون الى حضن التقوقع. منغلقون على أنفسهم، يستمعون الى الأناشيد الصاخبة بالطائفية والمذهبية التي تدفعهم الى حمل البارودة، ولو انهم يخافون من قول ذلك صراحةً. وماذا حلّ بالذين صرخوا في الساحة داعين الى الوحدة الوطنية بعد 12 سنة؟ بعضهم هاجر، بعد ان فقد الامل. وآخرون مصدومون، لا يريدون الكلام، لأن فخامة الصمت أقوى من ألف حديث. او لأن لا كلام يعبّر عن مدى الخيبة. والمتفائلون منهم بما تحقق من انجازات، متخوفون من الزمن الآتي، ومن ان تطوي الصفحة القادمة تاريخ النضال، وتحرق مدونات مكتوبة بلون الدم. وفي حين ان المسؤولية تلقى على عاتقهم، كناشطين واصحاب صرخة، هل تراهم يفكرون في “قيامة المرأة المنتحرة”، ام يكتفون بالعويل؟

 

نسفت نفسها
لا بدّ من الفصل بين التنظيم السياسي وجماهير 14 آذار في رأي رئيس قسم المحليات في صحيفة “لوريان لو جور” ميشال حاجي جورجيو، الذي يقول لـ”النهار” ان “المواطن شعر ان وجوده ضروري في ساحة الشهداء للمطالبة بالسيادة والاستقلال ونبذ العودة الى الحرب الاهلية ورفض منطق الابتزاز السياسي الذي ظهر جلياّ اثر اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وفق مقولة ان الاختلاف في الرأي يؤدي الى القتل. شارك الناس من اجل السلام والعيش المشترك ورفض زمن الوصاية السورية، وهي المبادئ التي صنعت 14 آذار. فيما تغاضى القادة عن مبادئ 14 آذار لكسب استحقاق انتخابي وتحقيق مصالح سياسية آنية ما أنتج تسويات سياسية لم تكن على قدر طموحات الناس وخذلتهم”.

ماذا تبقى من 14 آذار؟ “الحركة السياسية نسفت نفسها بنفسها”، يقول جورجيو الذي يحمّل المسؤولية للرئيس سعد الحريري ورئيس حزب “القوات” سمير جعجع المؤتمنين على 14 آذار واللذين نسفاها في رأيه بخيارات لا علاقة لها بالثوابت اثر “السين السين” وتبرئة الرئيس الحريري النظام السوري في فترة معينة وزيارته الرئيس بشار الأسد. فيما تبنت “القوات”، ودائماً وفق جورجيو، القانون الاورثوذكسي الذي يناقض مبادئ 14 آذار، وصولاً الى ترشيح النائب سليمان فرنجية من قبل الرئيس الحريري ومن ثم انتخاب العماد ميشال عون رئيساً. كما رفضت الأحزاب تكوين مجلس وطني لمستشاري 14 آذار. الى اي مدى يهتم الناشطون في احياء مبادئ 14 آذار رغم الخيبة؟ “لا يزالون ملتزمين بالقضية والمبادئ وكل منهم يمرر افكاره بالحد الادنى، ولو ان المرحلة الحالية تتصف بالضياع والاشمئزاز والبؤس السياسي، ولا بد تالياً من اعادة هيكلية معينة لاطر 14 آذار”.

“انتحرت”
لا تزال الخيبة تغلب الكلام وتنهدات الحسرة تختصر ما يريد قوله الناشطون عن حنينهم الى ما تبقى من 14 آذار. تقول الناشطة سارة عساف لـ”النهار” ان “انانية الزعماء أنستهم ضرورة الاحتفال بالذكرى فاختزلوا 14 آذار بفريق سياسي وتناسوا ان هناك يوماً اسمه 14 آذار يحق لنا الاحتفال به. انه انتصار جمع الناس بعد خروج الجيش السوري من لبنان. كنا نخال اننا سنصل بالبلد الى بر الامان، لكن 14 آذار انتحرت، بعد ان فتتتها الاغتيالات السياسية التي اخافت الزعماء وقادة الرأي وجعلتهم ينسحبون تدريجياً، فضلاً عن سلاح حزب الله الذي منعنا من اكمال المسيرة بالطريقة التي اردناها”.

سكرة الربح
بايجابيةٍ رغم الحسرة، يتحدث الناشط فاروق يعقوب عن ايام العزّ. يقول لـ”النهار” ان “الذكرى باقية ولا أسف سوى على الذين استشهدوا. 14 آذار بمثابة حلم شهد نهاية طبيعية وواقعية. تحققت غالبية المطالب بما فيها انسحاب السوريين والانتخابات والمحكمة الدولية، باستثناء ترسيم الحدود ورحيل الرئيس اميل لحود. لكننا لم نربح بل عشنا سكرة الربح، لأن سلاح حزب الله كبّلنا. وفي النهاية ذهبوا الى تقسيم البلد والمحاصصة البشعة التي كنا نتمنى ان لا تعود، لكنها عادت بوتيرة أقبح من زمن الوصاية، فضلاً عن ارتفاع منسوب الشحن الطائفي والعنصري”.

دفن من دون مراسم
منعت الحسرة الناشط مصطفى فحص من الكلام، بدايةً. لم يجد مصطلحات يعبّر فيها عن الخيبة. لكنه عاد وقال ما يختلج في قلبه. “لم يبق شيء من 14 آذار. الفكرة موجودة، ولكن لا أريد ان أتكلم لأن المرحلة التي وصلنا اليها تحزنني”. تغرقه الخيبة في استخدام التعابير الانشائية ليقول ان 14 آذار اطلقت الرصاص على رجليها واعلنت دفن نفسها بعد ان تحوّلت قضية أحزاب ومن ثم قضية طوائف. كان من الممكن اعلان النهاية بطريقة اخرى بعد اجراء مراسم دفن تليق بها وكان من الطبيعي ان تتحوّل بعدها الى ندوة، او كتلة سياسية تاريخية بمثابة ناظم لأحزابها وجماعاتها. ويلوم قادة 14 آذار: “ما يهمهم تقريش المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة. كان من الممكن ان تنتصر 14 آذار اقليمياً ولكنها انعزلت داخلياً”، ويتمثل بما قاله سمير فرنجية: “14 آذار انهزمت و8 آذار لم تربح”.

فقدان الأمل
الناس الذين نزلوا الى الشارع وخسروا احلامهم، هم ما تبقى من 14 آذار في رأي الناشط والصحافي عمر حرقوص الذي غادر لبنان الى دبي بعد ان فقد الأمل بلبنان وخسر الحلم بالبقاء ولم يعد يستطيع التعبير عن رأيه بحرية او التنقل في المناطق اللبنانية بأمان. ورغم شجبه الفساد والاصطفاف الطائفي والسلاح المنتشر عشوائياً في أيدي اللبنانيين والخسائر السياسية الكبيرة، واستمرار السياسيين في ارتكاب الاخطاء الداخلية، الا ان 14 آذار استطاعت في رأيه المحافظة على آخر الأحلام المتبقية وهي حلم السلام وعدم العودة الى زمن الحرب في بلدٍ موقعه كموقع جزيرة قائمة على فوهة بركان.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*