أصول الصفويين: صوفيون وغزاة في أروقة جامعة برنستن الأمريكية

 

 


محمد تركي الربيعو
القدس العربي
12012019

في سياق دراستهما لتطور الدراسات الحضرية والتاريخية حول مدن الشرق الأوسط، بيّن كل من بول عمار ودايل سينجرمان (من رواد الدراسات الحضرية في مصر) أسباب تحوّل مدينة القاهرة إلى مدينة أو مختبر بحثي في فترة الثمانينيات والتسعينيات بالنسبة للباحث الغربي، مقارنة بمدن مثل دمشق أو طهران أو بغداد أو الخرطوم. إذ أن ذلك لا يتعلق بالحجم أو المكانة التاريخية، وإنما ردّا ذلك إلى أسباب أخرى تتعلق بالتطورات التي شهدتها المنطقة في فترة الثمانينيات من القرن العشرين. فقد عرفت هذه المنطقة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وحرباً أهلية في شوارع بيروت، بالإضافة أيضاً إلى بداية الاشتباكات في سوريا، بين النظام الحاكم والجماعات الإسلامية. أدّت كل هذه الأمور، وفقاً لباحثينا، إلى تحوّل «أم الدنيا»، كما يقول المثل الشعبي، إلى مركز استقطاب للدراسات الغربية حول الشرق الأوسط.


ورغم عدم إشارتهما بشكل مباشر إلى وضع هذه الدراسات في إيران، فإن ما يمكن استخلاصه من الملاحظات السابقة هو أن حقل الدراسات الأمريكية والفرنسية قد عرف قبل فترة قدوم الخميني موجة اهتمام كبرى بتاريخ هذا البلد وتاريخ التشيّع، إضافة إلى معرفة ودراسات جيدة بالتاريخ الذي تلا سقوط العباسيين، وقدوم أقوام جديدة حكمت المنطقة، وبروز الصفويين لاحقاً كقوة سياسية تُعبّر عن مناطق جغرافية واسعة شملت إيران الحالية وغيرها من البلدان، ويبدو أن تحول أمريكا لاحقاً إلى الشيطان الأكبر، منع عشرات الباحثين من إكمال مهامهم البحثية بسبب الظروف الأمنية.

عرفت هذه المنطقة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وحرباً أهلية في شوارع بيروت، بالإضافة أيضاً إلى بداية الاشتباكات في سوريا، بين النظام الحاكم والجماعات الإسلامية.

قابل هذا التراجع على مستوى الدراسات الميدانية الأمريكية، اهتمام مشغول بالوضع السياسي ونظريات التشيع السياسي، إلا أنها مقاربة بقيت لعقود بعد 1979 تمارس معرفة عن بعد. فها هو الإسلام الشيعي يبرز في فترة ظن فيها الجميع أن الحداثة انتصرت، ليطالب بإرث بردة النبي، كما أن هذا الإسلام جاء متجاوزاً كل المعوقات والخلافات الفقهية والكلامية حول الإمامة، طارحاً بقوة السلطة هذه المرة، فكرة ولاية الفقيه. ربما أخذت هذه الموجة، المشغولة بالسياسي الفج، تتراجع أيضاً في السنوات الفائتة، مع قدوم موجة جديدة من الباحثين في هذا الحقل مثل، أديث زانتو وفرهارد دفتري وشاينول جيوا ورلى أبي صعب وجهود معهد الدراسات الإسماعيلية. وكي لا أطيل أكثر من ذلك في شرح اهتمام الجامعات الأمريكية بإيران وتاريخها قبل قدوم تلاميذ آيات الله وسيطرتهم على الفضاء العام، يمكن الإشارة كمثال عن هذا الاهتمام الغني إلى الكتاب الأخير الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسة بعنوان «أصول الصفويين: تشيع وتصوف وغلو» ترجمة ثائر ديب. مؤلف الكتاب هو المؤرخ الأمريكي من أصل فلسطيني ميشيل مزاوي (1926/2013) وضمن حدود متابعتنا، لم يُترجم له في السابق أي بحث في عالمنا العربي، وربما هذه مناسبة جيدة للتعرّف على الكاتب وعلى أطروحته للدكتوراه التي اعدّها في جامعة برنستن عام 1965، قبل أن تصدر مطبوعة عام 1972. حاول مزاوي في هذا الكتاب تفحّص الوضع الديني في مناطق العالم الإسلامي بعد الفتح المغولي في القرن الثالث عشر. وهي في جزء منها شرح وتفسير لنشوء الدولة الصفوية في إيران نحو نهاية القرن الخامس عشر. وقبل الخوض في متن أطروحته، لا بد من العودة بداية إلى المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في سياق إعداده لأطروحته، وهي مصادر قد توفّر لنا صورة ومعرفة جيدة حول واقع الدراسات آنذاك في الجامعات الأمريكية حول إيران وتاريخ التشيّع، سواء على مستوى التأليف أو تحقيق وترجمة بعض المخطوطات للغة الإنكليزية، خاصة أن فترة إعداده للأطروحة لم تكن بعيدة عن عام 1979 سوى بعقد أو أكثر بقليل.

يؤكد مزاوي على أن كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير يبقى أفضل مصدر متاح عن خلفية الغزو المغولي.

مكتبة مزاوي عن إيران

هناك عرف في الأوساط الأكاديمية يقوم على فسح فترة من الزمن للباحث لتحويل أطروحته إلى كتاب، بالشكل الذي يخفّف من الإطار والمقدمات النظرية التي يستوجبها العمل الأكاديمي. أما ما يُلاحظ في سياق تحرير ميشيل مزاوي لرسالته هو حفاظه على الهيكل الأساسي لرسالة الدكتوراه. إذ يستفيض في المقدمة في شرح الفضاء الثقافي والسياسي والديني، الذي أحاط بموضوع دراسته، قبل أن يخصّص قسماً للحديث عن المراجع التي اعتمدها، وهو ما يهمنا هنا. إذ يؤكد مزاوي على أن كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير يبقى أفضل مصدر متاح عن خلفية الغزو المغولي. أما بالنسبة إلى الفترة المغولية، فيشير إلى اعتماده هو ومجموعة من الباحثين آنذاك على أعمال مؤرخين مسلمين كتبوا بالفارسية، مثل كتاب عطا ملك الجويني «تاريخ جهانكشاي» وكتاب رشيد الدين فضل الله «جامع التواريخ» الذي عمل وزيراً لدى كل من غازان خان وألجايتو، وربما كان الشخصية الأشد نفوذاً في ذروة العهد الإيلخاني. ومن بين الأخبار التي يذكرها مزاوي عن الكتاب الأخير لحظة إعداده الأطروحة، أن جامع التواريخ آنذاك لم يكن منشوراً بعد (تُرجم من الفارسية للعربية في عام 2018 استناداً إلى مخطوطة محفوظة في مكتبة آيا صوفيا، كما صدرت منه ترجمة عربية عن الدار الثقافية في القاهرة سنة 2000).
واستكمالاً لحديثه حول المصادر المرحلية، يشير مزاوي في سياق حديثه عن تيمور، إلى أن أهم من أرّخ لحياته هما شرف الدين علي اليزدي في كتابه «ظفرنامه»، والآخر بالعربية «عجائب المقدور» لابن عربشاه. كما نعثر من بين المصادر أيضاً على «تاريخ عالم أراي أميني» لابن روزبهان الخنجي، وهو يتناول التاريخ المتأخر لقبائل الآق قوينلو (قبائل تركمانية ستلعب دورا لاحقاً في دعم تأسيس الدولة الصفوية) ويُلاحظ هنا اعتماده على نسختين، الأولى إنكليزية مختصرة، والثانية فارسية أصلية، نُشِرتا في جامعة برنستن. كذلك يعتمد على كتاب «تاريخ جهان آرا» للغفاري، وفيه معلومات قيمة لبدايات الدولة الصفوية. ومما يُلاحظ في المرجع الأخير، إشارات مزاوي المتكررة لجهود وأعمال الأكاديمي الأمريكي في جامعة برنستون مارتن ب ديسكون، الذي كان يعمل أستاذاً للأدب الفارسي والتاريخ الإسلامي في جامعة برنستون. وبالعودة إلى ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» حول هذا الأكاديمي في ذكرى وفاته، نجد إشارة الصحيفة إلى أنه كان في فترة الستينيات جزءاً من فريق من الباحثين الأمريكيين ذهبوا إلى إيران لتجميع تاريخ شامل للبلاد. ولذلك يبدو أن جامعة برنستن في تلك الفترة مثّلت مركزاً رئيسياً في أمريكا لدراسة الأدب الفارسي والتشيّع، وأن هذه الجامعة حقّقت تراكماً بحثياً وميدانياً جيداً حول إيران، وهذا ما يفسر سبب اختيار مزاوي هذه الجامعة لإعداد أطروحته حول الصفويين.

يبدو أن جامعة برنستن في تلك الفترة مثّلت مركزاً رئيسياً في أمريكا لدراسة الأدب الفارسي والتشيّع، وأن هذه الجامعة حقّقت تراكماً بحثياً وميدانياً جيداً حول إيران، وهذا ما يفسر سبب اختيار مزاوي هذه الجامعة لإعداد أطروحته حول الصفويين.

ومن بين المصادر القديمة التي يأتي على ذكرها أيضاً، كتابات الرحالة والمغامرين الأوروبيين الذين زاروا المنطقة، أو مروا بها ثم عادوا إلى أوطانهم. وما يلفُت النظر في إشارة مزاوي إلى هذه المراجع هو الوسم الذي يطلقه على بعض الأعمال أو الصور السلبية التي حملتها متون تلك الرحل. إذ يعتمد مزاوي على عبارة «التصورات الفاسدة» بدلاً من كلمة (الاستشراق) التي درجت لاحقاً لوسم أي أعمال تحمل مقاربات مغلوطة. ويبدو أن كلمة الاستشراق أصبحت أكثر استخداماً مع قدوم كتاب إدوارد سعيد ودخوله عالم الأكاديميا الأمريكية عام 1978. وعلى الرغم من أن هناك من يغمز أحياناً من أن سعيد لم يكن أول من جاء بهذا التعريف، وإنما سبقه في ذلك أنور عبد الملك. بيد أنه من خلال الإشارة السابقة وملاحظات المؤرخين لتاريخ الاستشراق الأمريكي فإن إدوارد سعيد كان له الدور الأهم في إدراج هذا المصطلح في عالم الأكاديميا الأمريكية ولاحقاً العالمية.
ويشير مزاوي، قبل أن ينهي القسم المخصص للمكتبة والأعمال التي نهل منها، إلى أسماء مجموعة من الباحثين الغربيين الذين شكّلوا في فترته مراجع مهمة في حقل الدراسات الفارسية، فيأتي على ذكر إدوارد براون وكتابه «الأدب الفارسي» وفلاديمير مينورسكي؛ كما يعدد أسماء بعض الكتاب الألمان أمثال هينز وبابنجر وكاسكل. ويأتي أيضاً على ذكر الفرنسيين من أمثال هنري كوربان وكلود كاهن وجان أوبين الذين، وفقاً لتعبيره، اهتمّوا بمشكلات محددة وحقّقوا مخطوطات قيمة في هذا الحقل. مع ذلك لا ينسى أن يذكر في نهاية فصله المخصص للمراجع أن الكثير من المخطوطات، الممتدة بين إيران ما بعد المغول وما قبل الصوفيين آنذاك، كانت ما تزال طي النسيان.

متن الأطروحة

يرى المؤلف أن الفترة التي سبقت قدوم الصفويين عرفت حالة من الاضطراب السياسي، خاصة بعد العهد المغولي في إيران. وفي ظل هذا الاضطراب، بدا طبيعياً أن تزدهر الطرق الصوفية من أذربيجان مروراً بالأناضول أكثر من ذي قبل. إذ أن مراكز شيوخ الصوفية، علاوة على توفيرها للإنسان العادي نوعاً من سلام العقل على مستوى الإسلام الشعبي، غالباً ما كانت ملاذاً لأشخاص هاربين من قبضة الزمنيين المستبدين. وراح هذا التصوف الذي عمّ المنطقة، ينتشر إلى أوروبا ممتداً إلى حدود البوسنة. كما يؤكد مزاوي، نقلاً عن الباحث التركي محمد فؤاد كوبرولو، أن الفترة ما بين نهاية المغول وقدوم الصفويين (على مدى قرنين) تقريباً عرفت حروبا وبشاعات «لكنها كانت كذلك فترة اختمار ديني أو فترة قوة أخلاقية تؤدي دوراً لا يمكن تجاهله، إلى جانب القوة الغاشمة». ولفهم أفضل لدور هذه الطرق الصوفية في تشكيل الفضاء الديني والاجتماعي والسياسي لاحقاً للمنطقة، يدرس طريقة أردبيل التي أسسها الولي صفي الدين الأردبيلي، التي ستلعب دوراً بعد قرنين على وفاته في تحويل إيران إلى دولة موحدة على المذهب الإثنى عشري الشيعي.

فجأة غدا مريدو الطريقة غزاة صوفيين، نراهم يقاتلون بأعداد كبيرة يقودها جنيد وحيدر ضد الجيب المسيحي في طرابزون.

تقع أردبيل على بعد أميال شرق تبريز على الطريق المؤدية في النهاية إلى بحر قزوين. والحقيقة اللافتة أن أهلها كانوا على مذهب الإمام الشافعي، أخذت الطريقة تحظى يوماً بعد يوم باحترام بالغ لدى السلطة الزمنية في زمن الشيخ صفي وخلفائه الثلاثة التالين؛ كما أنه لم تظهر خلال هذه الفترة أي علامات على توجه الطريقة نحو التشيع الإثنى عشري. ومع خلافة الشيخ جنيد، بدا أن الطريقة تتحول إلى حركة عسكرية راحت تشتد مثل إعصار في عهد حيدر بن جنيد، وعهد السلطان علي باديشاه بن حيدر لتحمل في النهاية ابن حيدر الثاني، إسماعيل وتضعه على عرش الصفويين في تبريز.
وفجأة غدا مريدو الطريقة غزاة صوفيين، نراهم يقاتلون بأعداد كبيرة يقودها جنيد وحيدر ضد الجيب المسيحي في طرابزون؛ وقد ترافق هذا التغير مع قدوم السلطان محمد الثاني العثماني الذي كان يحاول تحديد الحدود الشرقية للامبراطورية. وكان الجبروت الذي ركزه العثمانيون بين أيديهم أكبر بكثير من أن يتقبله التركمان. وهو ما دفعها شرقاً ليقوم جنيد وحيدر بجمعهم معاً. وبالإشارة إلى جنيد يبدو أنه أخذ يستخدم لقب السلطان بخلاف مفردة الشيخ المعتادة، وحين تسلّم حيدر رئاسة الحركة بعد وفاة والده «جاء خلفاء والده من كل حدب وصوب وأعلنوا نبأ الوهيته»، وقد بلغ زعم الماهية الإلهية هذا ذروته مع إسماعيل بن حيدر. ويفخر إسماعيل في شعره بتحدره من علي وفاطمة. وباتخاذهم هذا الدور فوق البشري والإلهي بات بمقدور رؤوس الطريقة الأردبيلية الجدد أن يجمعوا أتباعهم ويقودوهم إلى الغزو والفتح. ويرى مزاوي أن هذا التحوّل الديني الذي عرفه أبناء الطريقة الأردبيلية لم يكن سوى ذريعة لغايات سياسية، واجتمع الأمران على نحو وثيق في شخصية الجنيد وحيدر ليقتصر أمر إسماعيل على الوصول بذلك إلى خاتمته الطبيعية.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*