أسمهان تلك الحياة التي ستظلّ تدهشنا

 


حسن داوود
Sep 13, 2018
القدس العربي

فاجأَنا محمود زيباوي حين قال في مستهلّ محاضرته عن الفنانة أسمهان، إن الشهرة التي تحقّقت لها بدأت بُعيد رحيلها. لم تُجر لها مقابلة واحدة في الصحف والمجلات الفنية، حسب ما قال. بالطبع كانت هناك أخبار عن حفلات أقامتها (تحت اسم أمل الأطرش في البداية) أشارت خصوصا إلى جمال صوتها وحداثة سنها. بعض هذه الأخبار نشر بإيعاز أو بتوسط من شركتي الأسطوانات كولومبيا ثم بيضافون تتاليا. ثم أن ما يرجّح الحضور الفنيّ القليل للفنانة هو قلة عدد الأغنيات التي أنشدتها حيث، بالمقارنة مع ليلى مراد في السنوات الثلاث عشرة بين 1931 و1944،غنّت الأخيرة ثلاثين ضعف ما غنته الأولى، وأيضا بحسب المحاضر. وفي مجال السينما لم يزد ما قامت أسمهان ببطولته عن فيلمين اثنين كان العرض الأول لثانيهما «انتصار الشباب» قد جرى إثر حادثة غرقها الشهيرة في تلك الترعة، فكان العرض افتتاحا احتفاليا للفيلم وتأبينا لبطلته في آن معا. لكن هذا الرحيل المبكر لم يكن وحده السبب في تراث أسمهان القليل؛ وربما لم يكن ذاك الرحيل، من جهة أخرى، هو ما أوصل شهرتها لاحقا إلى المستوى الذي بلغته. ذاك أن أدوارا كثيرة في الحياة والعشق والسياسة والفن اختلطت معا في شخصيتها التي ما تزال، منذ وفاتها قبل اثنين وسبعين عاما وحتى الآن، الأكثر إثارة للجدل بين النساء العربيات جميعهن وليس بين الفنّانات وحدهنّ.
لم يتقادم الزمن على أسطورتها التي ما فتئ أفقها يتسع ترافقا مع اتساع الوعي الدرامي المستمر في التبلور جيلا عربيا بعد جيل. وها إننا نشهد تزايد الاهتمام بفنها وسيرتها، سواء بسواء، في وقت نرى كيف أن بطلات الشاشة ورائدات التحرّر على اختلافهنّ، جرى تأطير شهرتهنّ في تصورات قليلة عنهن، قابلة للتقلّص أكثر مما هي قابلة للاتساع. أتذكر هنا ذلك الاحتفال الذي أعده كتّاب مصريون لنجيب محفوظ في عيد ميلاده الثاني والتسعين. ربما كان يوسف القعيد هو الذي سأله من بينهم، ماذا يفعل الروائي الكبير حين يكون منفردا بنفسه. «باغنّي» أجاب محفوظ، قبل أن يضيف أن ما يغنّيه، أو ما يترنّم به، هو ما كان يسمعه في مطلع شبابه من أغنيات منيرة المهدية. وإذ يسمع واحدنا ذلك اللقاء على اليوتيوب يروح يتساءل عن منيرة المهدية الباقية في ذاكرة محفوظ، فيخالها محبوسة هناك، في مربّع صغير وقديم من تلك الذاكرة.
في ما خصّ أسمهان ما يزال الاحتفال بها متفاعلا ومتناميا مع توالي السنوات. بين فترة وأخرى يحدث أن تحظى بموجة اهتمام فيسرع سينمائيون أو تلفزيونيون أو كتّاب إلى إلقاء ضوء جديد عليها فنفكّر أننا بإزاء مرحلة اكتشاف جديدة لها، أو هي مرحلة أخرى لتجديد أسمهان، التجديد المستمر، حيث يفكّر جيل جمهورها الجديد، أن ما كتب عنها أو أنجز على يد السابقين لم يكن متاحا له فهم ظاهرتها.
وها نحن في تلك الأمسية، نكتشف أن هناك أشياء كثيرة لا نعرفها عن أسمهان. كنا نظن مثلا أنها جاءت إلى الفن بعد أن سبقها إليه أخوها فريد الأطرش. كما أننا بدونا كما لو أننا نفاجأ بما كنا على علم به أصلا، وهو أنها توفيت ولم يتجاوز عمرها السبعة وعشرين عاما. أقصد أننا، حيال عمرها، تلقينا في تلك الأمسية تأكيدا لما نعرفه، لكننا لم نكن واثقين من إمكان تحقّقه. إذ كيف يمكن لكل هذه الحياة، حياة أسمهان، أن تتسع لها تلك السنوات القليلة. هي ثلاثة عشر عاما فقط، وما يزيدها كثافة هو أن من عاشتها اعتزلت عملها في الفن مرّتين على الأقل، استمرت إحداهما سنتين كاملتين. ثم هناك الوجوه الأخرى لتلك الحياة: السياسة على صعيد غير جزئي إلى حدّ أنها تورطت مع القيادات المحلية لدول الحلفاء، ولكي تزيد تورّطها تعقيدا، بدأت محادثات مع الألمان. ثم هناك سيرتها الشخصية، زيجاتها وعلاقاتها الأخرى التي ذكر جوانب منها الجنرال غورو نفسه، ثم إنفاقها، ذاك الذي استهلك ثروات، ثم قيادتها لتحرك غير واضح قادت فيه مقاتلين في جبل العرب، ثم حياتها الاجتماعية حيث عُرضت لنا في تلك الأمسية صورة لحفل جرى في بيتها ضم وجوه ذلك الزمن، كان من بينهم رئيس الجمهورية ألفرد نقاش. وما يوازي ذلك أهمية هو تلك المشاهد الجزئية التي تظهر في أحدها معتلية ظهر حصان وهي بين مؤيديها، وأيضا تلك السيرة الأكثر إيجازا عن حياتها، تلك التي لا تتعدى ثلاث كلمات أو أربع كلمات، ومفادها أنها ولدت في الماء وماتت في الماء. وهذا كلام، على شعبيته، يبدو كأنه كتب بلغة الأساطير.
كنا نردّد، متسائلين ومتعجيين، كيف حصل لامرأة عربية في زمن الثلاثينيات والأربعينيات أن النجومية والشهرة كانتا دون طموحها فلجأت إلى مجالات أخرى لتحقق ذاتها. لكن، في ما ذكره زيباوي عن أن هذين لم يتحقّقا لها، على قدر طموحها على الأقل، أخذت تفتح أبوابا أخرى لا تقل صعوبة. على أي حال تظل هذه الشخصية الأكثر التباسا وغنى دراميا من كل الشهيرات، والأكثر مدعاة للتفكير والدهشة. هي شخصية للسينما، لا لفيلم واحد، بل لمقتربات سينمائية متتالية. *في دار النمر (كليمنصو) أحيا محمود زيباوي في السادس من سبتمبر/أيلول الجاري أمسية كان موضوعها الفنانة أسمهان.

٭ روائي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*