أسطورة «جيمس بوند» ورفاقه: المخابرات البريطانية تجسد مجدها على شاشة السينما

 

 القدس العربي

زيد خلدون جميل

Nov 02, 2017

ركز الأدب والسينما العالميان بشكل خاص على المخابرات البريطانية وقدماها كمؤسسة خارقة القوى. وكان مشاهير المؤلفين لهذا الأدب أنفسهم موظفين سابقين في تلك المؤسسة، بل إن المديرة السابقة لجهاز المخابرات البريطانية، تحاول اليوم أن تدخل في مجال كتابة القصص الخيالية عنها. ويعتبر «جيمس بوند»، الضابط الخيالي في المخابرات البريطانية، أشهر شخصية سينمائية في العالم، فقد شاهد أفلامه أغلبية ــ إن لم يكن جميع ــ رواد السينما في العالم، منذ أن ظهر أول فيلم لجيمس بوند عام 1962 تحت أسم «دكتور نو»، بعد أن كانت الشخصية قد ظهرت لأول مرة في برنامج تلفزيوني عام 1954. وبلغ مجموع دخل هذه الأفلام أكثر من سبعة مليارات دولار. ومن العلامات المميزة لأفلام جيمس بوند هي الموسيقى التصويرية التي يميزها جميع هواة السينما، أما بوند نفسه فهو زير النساء الذي يذهب إلى مختلف بقاع الأرض، حيث تعجب به الفتيات الجميلات ولكنهن جميعا لا ينجحن في التأثير على هذا الرجل، لأنهن جميعا لسن سوى أدوات لخدمة مهمته أو شخصه، فمظهره اللطيف يخفي شخصية قاسية الفؤاد ولا تعرف الرحمة، وينجح في مهامه على الرغم من أنه يستعمل اسمه الحقيقي دائما بقوله «بوند…. جيمس بوند» (أحد أشهر الجمل في تاريخ السينما العالمية) ويعلم الجميع أنه ضابط في المخابرات البريطانية. وهو دائما في أواسط الثلاثينيات إلى أواسط الأربعينيات من عمره، على الرغم من أنه إذا كان شخصية حقيقية وبقي حيا حتى الآن لكان في المئة من العمر. ويضاف إلى ذلك أنه في منتهى الأناقة والأدب والابتسامة لا تفارق وجهه في أسوأ المواقف، ولم لا فالنصر هو حليفه الدائم.

بريطانيا من الوسامة إلى العنف

تجمع شخصية جيمس بوند بين شخصية الجنتلمان الإنكليزي (وأحيانا الاسكتلندي) في السينما التي لا تعرف الخوف أو القلق، ويمتاز دائما بالوسامة والرشاقة وخفة الحركة والرقة، بالإضافة إلى عالم خيالي يُقدم إلى الجمهور على أساس أنه عالم الجاسوسية، الذي لا يعرف المشاهد، في الحقيقة عنه شيئا، ولذلك فإن المشاهد يتقبل كل ما يشاهده. لكن الأفلام الأربعة الأخيرة مثلت تحولا جذريا في مظهر العميل البريطاني، فقد حل العنف والشراسة والخشونة محل الرقة والأدب والوسامة. ولا نعرف سبب هذا التحول، بل إننا لا نعرف كيف تم تحديد مظهر «جيمس بوند» في السينما أصلا. فهل كان هذا اتفاقا داخل المؤسسة الإعلامية البريطانية لإظهار شخصية تمثل بريطانيا إلى العالم؟ أم أن الشخصية تم تحديدها من قبل المؤلف الأصلي لقصص جيمس بوند البريطاني «أيان فليمنغ» (1908 ـ 1964) كما يدعي بعض مؤرخي السينما. وفي هذه الحالة هل كان التغير في الشخصية مقصودا وعلى الأساس نفسه؟ ويجب التنويه هنا بأن المؤلف الأصلي لقصص جيمس بوند كان نفسه قد عمل في المخابرات البحرية البريطانية، وقد تكون هذه الشخصية السينمائية جزءا من دعاية منظمة وحكومية بريطانية.

لورانس الحقيقي والسينمائي

نستطيع أن نعتمد على القليل مما هو معروف عن الذين عملوا بشكل صريح لدى المخابرات، وعلى سبيل المثال «تي. أي. لورانس» الذي عرف في ما بعد باسم «لورانس العرب» (1888 ـ 1935) ويذكره التاريخ كعالم آثار وضابط في المخابرات العسكرية البريطانية كانت قد أرسلته الحكومة البريطانية إلى الحجاز، لتنظيم ما سمي بالثورة العربية ضد العثمانيين، أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918). لم يكن «لورانس» الرجل الوسيم، كما ظهر في الفيلم الذي أنتج عنه من بطولة بيتر أوتول وعمر الشريف. وعلى عكس أوتول فقد كان «لورانس» قصير القامة بشكل ملحوظ، حيث لم يتجاوز طوله المتر وستة وستون سنتيمترا. وتمتع بشخصية نرجسية وغير محبوبة وحب للاستعراض إلى درجة مَرَضية. وعرف باحتقاره لمن حوله، خاصة فرنسا والجيش والمؤسسة السياسية البريطانيين. ولأن بريطانيا وفرنسا كانتا حليفتين في الحرب العالمية الأولى فقد منحت الحكومة الفرنسية «لورانس» وسامين رفيعي المستوى، إلا انه لم يحملهما أبدا بل حملهما كلبه، حيث كان لورانس يُشاهَد وهو يمشي في شوارع مدينة أوكسفورد في بريطانيا مع كلبه والوسامين الفرنسيين يتدليان من عنق الكلب. وقامت الحكومة البريطانية بإبلاغ لورانس بنية ملك بريطانيا «جورج الخامس» (1865 ـ 1936) لتقليده وساما رفيعا لخدماته أثناء الحرب ووافق «لورانس». وكان الملك يمنح هذه الأوسمة بنفسه وحسب مراسيم خاصة تليق بالعرش البريطاني. وحسب المراسم حضر «لورانس» في القاعة وأتى الملك مع زوجته، وما أن هم ببدء مهمة منح الوسام فإذا بـ»لورانس» يعبر عن اعتذاره عن قبول الوسام، وأخفى الملك انزعاجه بابتسامة مصطنعة، إلا أن زوجته لم تكن قادرة على إخفاء غضبها. وقد وصل حب «لورانس» للظهور مهما كانت الطريقة، أنه أدعى تعرضه لمآس أثناء عمله في العالم العربي، إلا أن المؤرخين يدحضون ادعاءاته ويتهمونه بالكذب، ويعتقد بعضهم أنه كان يعاني من مشاكل نفسية شديدة.

كِم فيلبي البطل الشيوعي

وإذا كان «لورانس العرب» معروفا جدا في العالم العربي، فإنه بالنسبة للبريطانيين والعالم الغربي لم يرتق من حيث الأهمية والشهرة إلى مستوى ضابط المخابرات الشهير «كم فيلبي» (1911 ـ 1988) الذي أصبح رئيس المخابرات البريطانية في تركيا، ومؤسس جهاز المخابرات التركي. وأصبح بعد ذلك رئيس القسم المسؤول عن الاتحاد السوفييتي في المخابرات البريطانية ثم ممثل المخابرات البريطانية في الولايات المتحدة (كان من الناحية الرسمية السكرتير الأول للسفارة البريطانية في واشنطن) والمشرف على التعاون بين أجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية. ولكن لماذا تربع فيلبي على عرش الشهرة؟ السبب هو أنه كان في الواقع عميلا للمخابرات السوفييتية طوال الوقت. وما أن شعر بوجود شكوك حوله من قبل السلطات البريطانية حتى هرب بطريقة سينمائية إلى الاتحاد السوفييتي عام 1963 ليعيش هناك حتى وافته المنية عام 1988. ولم يكن «فيلبي» شخصا عاديا فقد أعجب به كل من قابله، وكان وسيما ومرحا وبالغ التعليم، إلا أنه أصبح شيوعيا عندما كان طالبا في جامعة كامبريدج وهناك تم تجنيده من قبل المخابرات السوفييتية. وكانت خيانة «كم فيلبي» أشهر وأخطر فضيحة في تاريخ المخابرات البريطانية. والغريب في الأمر انه على الرغم من مظهره المرح والاجتماعي فقد كان في الواقع يعاني من مشاكل نفسية رافقته طوال حياته، فقد كان مدمنا على الكحول وعانى الكثير من نوبات الكآبة الشديدة. وكانت زوجته الأولى شيوعية نمساوية معروفة، ما جعل الكثيرين يستغربون عدم شك المخابرات البريطانية به، بل إن المخابرات السوفييتية نفسها كانت تعتقد أنه كان عميلا بريطانيا في الحقيقة، وأن مساعدته للأتحاد السوفييتي لم تكن سوى خدعة بريطانية، ولذلك فإنه وُضع في الإقامة الجبرية وتحت حراسة مشددة عند هروبه إلى موسكو بحجة حمايته، بينما كان السبب الحقيقي هو منعه من الهروب من الاتحاد السوفييتي. وإذا صدقنا المؤرخين فقد قام «كم فيلبي» بإرسال معلومات كاملة عن الجواسيس البريطانيين وفرق العمليات التي أرسلتها بريطانيا إلى العالم الشيوعي، خاصة البانيا. وقد تكونت هذه الفرق من مواطنين من الدول الشيوعية تم تدريبهم من قبل البريطانيين، وكان الإعدام مصير الكثيرين منهم. وبسبب شك السوفييت به فإنهم لم يدعوه لزيارة مقر المخابرات السوفييتية (كي جي بي ) إلا بعد أربعة عشر عاما من تاريخ هروبه إلى الاتحاد السوفييتي. وتحاول روسيا اليوم الاستفادة من «كم فيلبي» حتى بعد وفاته، فقد افتتحت له معرضا خاصا، اعتبرته الصحافة الروسية حدثا مهما وقدمته للجمهور كبطل روسي وطني، وكم يناقض هذا الحقيقة لأنه لم يأبه لروسيا، بل كان جل إيمانه في الشيوعية.

٭ كاتب عراقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*