أسس الدين المسيحيّ” لجون كالفن… التّرجمة العربيّة الأولى من لبنان إلى العالم

هالة حمصي
النهار
03032018


اللاهوتي جون كالفن وكتابه بالعربية.

انها المرة الاولى التي يُنقَل هذا الكتاب اللاهوتي الضخم والشهير الى العربية منذ نُشِرَت نسخته الاولى قبل 482 عاما. الترجمة العربية الاولى لـ”اسس الدين المسيحي” لجون كالفن، احد ابرز قادة الاصلاح البروتستاتني في اوروبا في القرن السادس عشر، قدمتها كلية اللاهوت للشرق الادنى قبل نحو 4 اشهر الى القراء العرب، بعد عمل مضن وطويل استغرق 9 اعوام من الترجمة والتدقيق والمراجعة واعادة المراجعة والتنقيح، بما يشكل “انجازا كبيرا” حققته الكلية لاغناء المكتبة المسيحية العربية.

4 كتب في مؤلف واحد، 80 فصلا، نحو 1419 صفحة. كتاب كالفن “مرجع كبير” للانجيليين. رغم مرور نحو 5 قرون، “لا يزال هذا الكتاب يخاطب الانجيليين، وربما غيرهم ايضا، في امور كثيرة”، على قول رئيس الكلية الدكتور جورج صبرا لـ”النهار”. مؤلَّف بالعربية في مجلّدين. وبات في متناول القارىء العربي “اول عمل فكري انجيلي تنطبق عليه تسمية اللاهوت النظامي”.

“التحوّل المفاجئ” 

جون كالفن (1509-1564). قبل ان يشتهر لكونه مؤسس ما يُعرف بالمذهب الكالفيني الذي انتشر خصوصا في فرنسا وسويسرا، هو قبلاً ابن عائلة كاثوليكية فرنسية، ولد في نويون- فرنسا. خادم المذبح في صغره، تأثر في شبابه “بالفكر الانسانوي الذي كان منتشرا يومذاك بين المثقفين في الاوساط العلمية والجامعية”، على ما يروي صبرا. في تلك الفترة، اختبر كالفن “تحوّلا مفاجئا”، على ما يذكر في احدى كتاباته. و”صار انجيليا نحو العام 1534، مكرّسا نفسه كليا لخدمة القضية الانجيلية، مدافعا عن عن الايمان الانجيلي وشارحا له”.

الدكتور جورج صبرا شارحا عن كتاب كالفن في ترجمته العربية (النهار).

انه زمن مارتن لوثر والانشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية، وانطلاق ما يسمى الاصلاح البروتستانتي. لم يكن كالفن تجاوز 27 عاما عندما وضع مؤلفه الضخم “اسس الدين المسيحي”. يوم نشر النسخة الاولى منه العام 1536، “ارادها ان تكون شرحا للتعليم المسيحي… الغاية الاولى والاساسية كانت تعليمية”، على ما يوضح صبرا.

الكتاب كان بمثابة “عمل صغير باللاتينية”، تألّف أوّلا من 6 فصول فقط. “في اقل من سنة، نفد من الاسواق، فأعاد كالفن نشره مع بعض التوسيع العام 1539”. ترجمة بالفرنسية العام 1541، ثم نسخة ثالثة اوسع العام 1545، تضمنت 21 فصلا. مزيد من التوسيع والتعمق في الكتابة اللاهوتية، الى ان اصدر كالفن كتابه في شكله النهائي العام 1559، بـ”80 فصلا”، على ما يفيد صبرا.

9 سنوات و3 مترجمين

وتلك النسخة الضخمة، في شكلها النهائي، هي التي ترجمتها كلية اللاهوت للشرق الادنى من النص الانكليزي، ونشرتها. العام 2007، نشأت فكرة ترجمة كتاب كالفن الى العربية. “كان من المفترض انجازها خلال سنتين، ليتزامن نشرها مع اليوبيل المئوي الخامس لولادة كالفن (اي 1509-2009). لكن ظروفا كثيرة أخّرت العمل، منها ما يتعلق باوضاع البلد والمؤسسة، ومنها بعمل المترجمين”، على ما يقول.

3 مترجمين تولوا الترجمة، على مراحل متعاقبة: القس اديب عوض (الكتاب الاول)، القس وليد هرموش (الكتاب الثاني)، والقس الدكتور فيكتور مكاري (الكتابان الثالث والرابع). “ثابرنا، وتخطينا كل الصعاب، وعزمنا على انجاز الترجمة، حتى لو بعد 10 سنوات”، على قول صبرا. في الواقع، استغرق انجازها “9 سنوات”، من 2008- 2017.

انجاز كبير، بالنسبة الى الكلية، خصوصا انه “لم يُنقل من كتابات كالفن” الى العربية، على مر القرون، “الا النزر اليسير”. وهو اغناء اكيد للمكتبة العربية المسيحية في القرن الحادي والعشرين، وبعد طول انتظار. الاضاءة على فكر كالفن بات مضمونا بالعربية، لفهمه والتعمق فيه، بعد مرور 482 عاما على نشر نسخته الاولى. “اراد كالفن، من خلال مؤلفه، تعزيز التقوى لدى المؤمنين، ومساعدتهم في ان يفهموا الاسفار المقدسة فهما اعمق، وان يعرفوا المسيح وخلاصه”، على قول صبرا.

. اسس الدين المسيحي” لجون كالفن… في مجلدين”

 خصوصية اخرى يضيفها. “كتاب كالفن كان ايضا دفاعا عن ايمان الانجيليين… بمنزلة اعتراف ايمان للجماعة الانجيلية الناشئة التي كانت تتعرض يومذاك للرفض والتضييق والاضطهاد”. في العصارة، “انه تعليم واعتراف ايمان في الوقت نفسه، اي شرح للتعاليم والمبادىء الانجيلية، ودفاع عن المعتقد الانجيلي في مواجهة اتهامات البدعة والهرطقة. ومع تطور شكل الكتاب ومحتواه، من النسخة الاولى (1536) الى الاخيرة (1559)، بدا واضحا ان الهم التعليمي اتخذ المكان الاول. غير ان الناحية الدفاعية لم تخفت”.

كالفن والقديس اغوسطينوس

في نسخته النهائية الضخمة، اصبح كتاب كالفن “التعبير الكلاسيكي عن اللاهوت الانجيلي المُصلَح”، لا بل “خلاصة المسيحية الانجيلية المُصلَحة”، وفقا لصبرا، وايضا “اول عمل فكري انجيلي تنطبق عليه تسمية اللاهوت النظامي”. وتبقى فكرة اساسية لفهم فكر كالفن، وبالتالي مؤلفه الضخم: “الاقرار بسيادة الله على حياتنا وعلى التاريخ والطبيعة والكون كله، كجوهر التقوى المسيحية”.

في مؤلفه، عكس ايضا كالفن بعض سمات “الحركة الانسانوية” التي تأثر بها في عصره، منها “العودة الى المصادر”. وبالتالي، نرى انه “يعود دوما الى المصادر اللاهوتية الاساسية في الكنيسة القديمة، من امثال آباء الكنيسة الكبار والمجامع المسكونية، متخطيا القسم الاكبر من اللاهوت المدرسي الذي ساد القرون الوسطى، ومصححا له على اساس لاهوت الآباء الكبار”.

القديس اغوسطينوس (الى اليمين) وجون كالفن.

 في ضوء ذلك، يُلاحَظ ان القديس اوغسطينوس كانت له “حصة كبيرة” في فكر كالفن اللاهوتي، لاسيما في مؤلفه الضخم. ويفيد صبرا ان “الباحثين احصوا نحو 1700 اقتباس مباشر، واكثر من 2400 اقتباس غير مباشر من اغوسطينوس في عمل كالفن هذا. وبالتالي يكون اغوسطينوس المصدر الآبائي الاكبر عند كالفن”.

ما يستنتجه صبرا هو ان “التواصل مع التراث الآبائي واللاهوتي لم ينقطع في فكر المُصلَحين الكبار وتعاليمهم، وذلك بخلاف الانطباع الشعبوي السائد ان الاصلاح الانجيلي قطع مع كل ما وجد بين آخر كتاب في العهد الجديد وظهور مارتن لوثر”. ويتدارك: “في حضرة لاهوت كالفن، يجد القارىء نفسه في رحب تواصل لاهوتي مسكوني، وليس امام انقطاع وبدايات جذرية مطلقة”.

نقطة اخرى يشدد عليها. “يبقى الكتاب المقدس المصدر الاساسي والاول والاعلى الذي عاد اليه كالفن دائما وركن اليه اخيرا، كما فعل كل المصلحين الانجيليين الكبار. تظهر كل كتابات كالفن، خصوصا مؤلفه هذا، معرفة دقيقة بالكتاب المقدس”.

امام مؤلف ضخم من مواليد عصر الاصلاح البروتستانتي، من الضروري ان يتذكر القارىء، على قول صبرا، ان “هذا العمل اللاهوتي من القرن السادس عشر الذي كان عصر خلافات كنسية ولاهوتية عدة. لذلك، فان لغته وتعابيره واسلوبه في التعاطي مع الافكار والتعاليم المناوئة كانت قاسية وحادة في احيان كثيرة”. المسـألة تستوجب تنبيها. “تعابير الدحض والشجب والادانة والتحطيم والازدراء كانت طبيعية في ذلك العصر الجدلي الخلافي، مع اننا نجدها محرجة ومخجلة اليوم. كتاب كالفن يجب ان يُقرأ في سياقه التاريخي”.

*اطلقت كلية اللاهوت للشرق الادنى، بالتعاون مع مؤسسة “دار منهل الحياة”، كتاب “اسس الدين المسيحي” لجون كالفن في 11 تشرين الثاني 2017 في بيروت، في مناسبة اليوبيل الـ85 لتأسيس الكلية.  

Hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*