أسرار خليج العقبة مقصد سيّاح عرب وأجانب

مع كل صباح، تداعب الأمواج القوارب المركونة على شط خليج العقبة في الأردن، معلنة يوماً جديداً من الإبحار والمنافسة في جذب أكبر عدد ممكن من السيّاح العرب والأجانب لرؤية المرجان في مياه البحر عبر نافذة زجاجية في أسفل القارب. لا بد أن تجهَّز القوارب الزجاجية وتزيَّن قبل الإبحار لاستقبال زوارها، فيبدأ صاحب القارب بغسله من الأتربة وتنظيف الشوائب العالقة على النافذة، ووضع الزينة وتفقد الإكسسوارات على هيكل القارب ليصبح جاذباً للعين.

اعتاد أهل مدينة العقبة الأردنية على هذه المهنة، صناعة القوارب الزجاجية والعمل عليها على مدار السنة، هذه المهنة التي اشتهرت في العقبة وتوارثتها أجيال كبرت على مناجاة البحر ليلاً والإبحار فيه صباحاً.

طه العناقرة، وهو ربان قارب زجاجي من أهل المدينة، تعلم وهو في الخامسة عشرة من عمره طرق التعامل مع البحر في كل أحواله لمدة خمس سنوات، فيما استطاع بعد ذلك قيادة القارب والعمل عليه في مجال السياحة بعدما ورثه من أقاربه. يجتمع طه صباحاً هو والعشرات من مالكي القوارب على شط البحر، كل منهم يتفقد قاربه في الساعة ذاتها، استعداداً لمباراة جذب السيّاح عبر أساليب عدة، فبعض أصحاب القوارب يتفننون في الحديث بلهجة السائح حتى يلفت انتباهه، ومنهم من يستعرض له ما يمكن أن يراه من شعب مرجانية وأماكن سياحية خلال جولة قصيرة في القارب الزجاجي.

وما أن يركب السائح القارب، حتى يبدأ جولته بسماع الأغاني «العقباوية» التراثية، كأغنية «ريّس البحر» و «ردي شعراتك»، إضافة إلى الموسيقى الصادرة من آلة «السمسمية» المشهورة في مدينة العقبة. وفيما يستمع الركّاب إلى التراث العقباوي، يُبقي السائح نظره على أرضية القارب نحو النافذة الزجاجية التي تطل على أعماق البحر حيث المرجان بألوانه وأشكاله وأحجامه المختلفة، خصوصاً تلك الكائنات البحرية التي ينفرد فيها خليج العقبة.

يلتقي السائح في جولته البحرية بأول أنواع المرجان، بداية بما يعرف بـ «جبل المرجان الحي» الذي تحوم حوله آلاف الأسماك الصغيرة المتعددة الألوان، وعلى مسافة متر ثمة أعشاب بحرية تمتاز بحركتها طوال الوقت، إضافة إلى مرجان الإسفنج الذي يتجاوز عمره 190 سنة، ناهيك بمرجان آخر يحمل اسم «قرون البحر».

وعلى عمق بضعة أمتار تستقر دبابة عسكرية منذ نهاية تسعينات القرن الماضي، وسفينة شحن لبنانية تعرضت لحريق أثناء زيارتها العقبة ومن ثم أُغرقت في خليج العقبة قبل سنوات فتكاثرت عليها الكائنات البحرية لتصبح مقصداً سياحياً، بحيث يتسنى للسياح من خلال النافذة الزجاجية والغوص رؤية كل تلك المعالم.

ويقول طة العناقرة إن توافر الحديد في أعماق البحر يساعد المرجان والكائنات البحرية على النمو بشكل أسرع، إذ يعرف أن المرجان ينمو سنوياً بمقدار 1 سم أو يموت ويفقد لونه وحيويته.

وبيّن العناقرة أن أنواع المرجان المتنوعة في خليج العقبة هي باب رزق رئيسي لجميع مالكي القوارب الزجاجية، موضحاً أن ذاكرته لم تخنه يوماً في استدلاله عن أماكن المرجان المشهورة منذ خمسة عشر عاماً.

أما صابر الهلاوي فيقول إنه رغم مضي 28 سنة على عمله في القارب الزجاجي لم يمل من تكرار ما يفعله يومياً سواء حين يكون بالقارب بمفرده أو برفقة سياح عرب وأجانب.

ويستمتع الهلاوي حين يُطلع السيّاح على ما يكتنزه خليج العقبة من ثروات بحرية وما يخبئ من أسرار وتنوع بيئي على مدار اليوم وبشكل متكرر، موضحاً أنه لا بد أن يتحلى سائق القارب بالصبر والابتسامة، وحب المكان في الدرجة الأولى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*