اخبار عاجلة

أزمة صحافة أم ماذا؟

 


إلياس خوري
Jan 02, 2018
القدس العربي

أقفلت جريدة «السفير» في بيروت، فحاولت «الاتحاد» الحلول مكانها، لكن تجربة «الاتحاد» لم تصمد سوى شهرين، هكذا التحقت النسخة بالأصل، واختفت جريدتان بدلا من أن تختفي جريدة واحدة.
ماذا يجري للصحافة اللبنانية التي تعيش ما يشبه المأتم الدائم. منذ أزمة جريدة «النهار» التي انفجرت منذ تسع سنوات، والصحافة اللبنانية تُجَرْجَرْ في دروب الألم الوعرة. «النهار» لم تعد نهارا على اللبنانيين أن يفتتحوا صباحهم بها، والجريدة المنافسة أي «السفير» اختفت بشكل غامض نتيجة أزمتها المالية، وما تبقّى لا يعدو أن يكون محاولات متعثرة لا شكل لها، باستثناء جريدة «الأخبار»، التي صاغ نبرتها المهنية جوزف سماحة، والتي صارت اليوم جريدة الممانعة وحزب الله شبه الرسمية.
ماذا جرى؟
كيف تهاوت إحدى أعرق التجارب الصحافية في العالم العربي؟ وأين ذهب تراث مهني صنعه صحافيون من أمثال كامل مروة وسعيد فريحة وغسان تويني وسليم اللوزي، وكوكبة من الأسماء اللامعة التي صنعت من صحافة لبنان مرآة العالم العربي؟
الجواب السهل عن سؤالنا الصعب يقول: إنه الإنترنت وثورة الاتصالات والتحول الهائل في البث التلفزيوني بعد ظهور الأقمار الصناعية.
لكن هذا الجواب برغم أنه يحمل شيئا من الحقيقة، ليس كافيا. صحيح أن الصحافة الورقية في العالم بأسره عانت نتيجة التطور التكنولوجي الكبير، لكنها استطاعت أن تستمر، محدثة تغييرات بنيوية على طريقة عملها. أما هنا، فالصحافة اختفت تقريبا، محدثة فراغا تملأه الفضائيات اللبنانية والعربية بمزيج يجمع التحليل السياسي الجاد وهو نادر، بالسماجة والتحريض والخفة.
ربما كان غسان تويني هو أول من شعر بالخطر، ففي أحد اجتماعات أسرة تحرير «النهار»، وكنت قد بدأت عملي للتو في الجريدة رئيسا لتحرير «الملحق»، علّق تويني بلغة لا تخلو من المرارة على قرار رفيق الحريري تأسيس جريدة يومية هي «المستقبل»، قائلا: «قلت للشيخ رفيق: المصاري ما بتعمل جرايد، الجرايد بتعمل مصاري».
يومها كان تويني صديقا للحريري الذي صار مساهما في «النهار»، لكن هذه الصداقة السياسية والمالية بين الرجلين، لم تدفع ناشر «النهار» إلى ممارسة أي ضغط على «الملحق» الذي كان يقود حملة المثقفين والمعماريين والفنانين اللبنانيين ضد مشروع «سوليدير».
لم أفهم سبب مرارة تويني، لكن أغلب الظن أن الرجل كان واعيا لأخطار المال السياسي الذي قرر التخلي عن الوسيط الصحافي لينشئ صحافته، لأن ذلك سيترك آثارا مدمرة على المهنة.
وفي لقاء بين ناشر «النهار» وأسرة تحرير «الملحق»، اقترحنا تطوير التجربة، وتحويل «الملحق» إلى جريدة أسبوعية ثقافية عربية، فكان جواب تويني: «بدك ياني نافس الملك فهد بن عبد العزيز ويخترب بيتي». وطُوي الاقتراح.
أعتقد أن هاتين اللحظتين تلخصان مآلات الصحافة اللبنانية التي دخلت في تدهور بطيء ما لبث أن تسارع بشكل مخيف، وانعكس ذلك بشكل واضح على «النهار»، التي فقدت بمرض تويني ثم موته آخر ركيزة مهنية لها.
المسألة التي أشارت إليها ملحوظتا؛ المؤسس الثاني لجريدة «النهار»، الذي نجح في تحويل صحيفته إلى الأولى لبنانيا وعربيا، كانت عن علاقة المال السياسي الذي قرر أن يخوض حلبة الصحافة بشكل مباشر بهذا التدهور. صحيح أن «النهار» لم تكن يوما بريئة من المال السياسي، لكن هذا المال كان يتم تقنين تأثيره في قناة مهنية وسياسية صارمة. فـ «النهار» برغم ليبراليتها وانفتاحها على أقلام يسارية، لم تخف يوما موقفها السياسي الواضح كصحيفة يمينية تعبّر عن النظام اللبناني القديم مع نبرة إصلاحية ليبرالية. حتى «السفير» التي كان المال الليبي مصدر تأسيسها وتمويلها نجحت في بلورة خط مهني سياسي صنع حريتها النسبية، وذلك بفضل مهنية العاملين فيها من طلال سلمان إلى بلال الحسن وإبراهيم عامر وصولا إلى جوزف سماحة من جهة، والتصاقها بتجربة الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى.
المال السياسي كان جزءا من بنية الصحافة، كما هو واضح في الجريدتين اللبنانيتين الكبريين، هناك إذا سبب آخر قاد إلى الكارثة، وحوّل المال السياسي إلى مرض الصحافة القاتل.
بجب أن نبحث عن هذا السبب في الواقع السياسي اللبناني، فلبنان القديم الذي كان يحتضر في الحرب الأهلية مات بعد اتفاق الطائف، وحلت بحرياته كارثتان:
الأولى تمثلت في المخابرات السورية التي لم تتورع عن احتلال الصحف بالقوة لفترة قصيرة كانت كافية لبث الرعب في أوصال المهنة، وبداية هجرة الصحافة والصحافيين إلى الخارج. لكن تجربة الصحافة اللبنانية المهاجرة ما لبثت أن تلاشت أمام الصعوبات المادية، فورثتها صحف الخليج . إرهاب الصحافيين اتخذ شكل الاغتيالات من سليم اللوزي الى سمير قصير وجبران تويني، وبهذا أعلن النظام الاستبدادي السوري قراره وأد الصحافة اللبنانية.
أما الثانية فحدثت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حين فرض نظام أمين الجميل الرقابة المسبقة على الصحف. ومع الانهيار اللبناني الذي أعقب اتفاق 17 أيار- مايو مع إسرائيل، وتشظي لبنان في الحروب الوحشية، وفي ظاهرة خطف الرهائن، صار الصمت هو سيد الحلبة.
في الصمت جاء المال السياسي العاري ليقضي على ما تبقى من الحريات الصحافية ويلتهم الأقلام متعاملا مع الكتاب الصحافيين بصفتهم مُرتزِقة، وتحولت الصحافة العربية احتكارا للآلة النفطية.
الحكاية ليست مجرد حكاية مهنية، ولا تتعلق بسوق الإعلان المأزوم فقط، إنها أولا مسألة موت النظام اللبناني القديم من دون أن يحل مكانه نظام سياسي جديد ثابت قائم على توازنات راسخة. فالنظام الذي يحكم لبنان اليوم هو نظام الحرب الأهلية النائمة، والنخبة السياسية هي مجاميع للصوص يتقاسمون الوطن الصغير الغارق في بؤسه.
صحافــــة لبــــنان اليوم هـــي مرآة لبنان، وهنا تكمن المسألة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*