أزمة الرئاسة: تجرّؤ على الثانية واعتداء على الثالثة

جموع المعتصمين المطالبين بسلسلة الرتب والرواتب في ساحة رياض الصلح تزامناً مع جلسة مجلس الوزراء أمس. (حسن عسل)

اعتداء على رئاسة الحكومة، وتجرّؤ على مجلس النواب، وصولاً الى الكلام عن خرق لاتفاق الطائف وبداية قتله، تصريحات تعكس حال الغليان والاحتقان السياسي الذي بلغ ذروته أمس مع عجز مجلس الوزراء عن اتخاذ قرار واضح في موضوع سلسلة الرتب والرواتب في غياب رئيس الجمهورية ميشال عون في زيارة دولة لفرنسا. واتفق الوزراء على جلسة للحل غداً الخميس برئاسة عون، ما اعتبرته أوساط وزارية إضعافاً لمؤسسة مجلس الوزراء التي نص عليها اتفاق الطائف. وبدت السهام مصوّبة في اتجاه الرئاسة الأولى بدليل تسريب خبر عن إعراب الرئيس عون قبل أسبوعين وأكثر عن رغبته في تعديل المادتين 11 و17 من قانون الضرائب، ومطابقة قرار المجلس الدستوري لتلك الرغبة في اجماع أعقب خلافاً وتباعداً قبل يومين فقط من صدور القرار. وقد توافق معظم الوزراء أمس على ان المجلس الدستوري تجاوز صلاحياته، وسأل الرئيس نبيه بري أمام زواره في المصيلح التي انتقل اليها بعد انقطاع طويل: “اذا كان لا يحق للمجلس النيابي اقرار قوانين تتضمن الضرائب كما يزعم البعض، فنحيطه علماً ان المجلس أقر في جلسته الأخيرة قانون الضريبة على النفط، فكيف ذلك؟”. والتباعد في وجهات النظر لم يقتصر على الرئاسة الثانية، بل ظلت تداعيات لقاء وزير الخارجية جبران باسيل نظيره السوري وليد المعلم، تلقى الصدى في أوساط الرئاسة الثالثة وراعيها السياسي “تيار المستقبل”، اذ أكدت الكتلة النيابية للتيار الأزرق موقف الوزير نهاد المشنوق واعتبرت اللقاء “مخالفة صريحة وفاقعة للبيان الوزاري للحكومة، وكذلك اعتداءً صارخاً على الحكومة ورئيسها وعلى التضامن الحكومي داخلها”.

في خلاصة اليوم الطويل أمس، ان السلسلة أصبحت حقاً مكتسباً للموظفين وستدفع لهم نهاية الشهر أو الشهر المقبل ما ان يتوافر التمويل اللازم لها مع حفظ الحق بمفعول رجعي يعود الى 21 آب الماضي. واذا كان مجلس الوزراء غرق في جدال حول المسار القانوني الممكن من خلاله وضع ضرائب لتغطية كلفة الانفاق وضمان نفاذه، بعيداً من أي مغامرة تعرضه لطعن أو لعرقلة، فان رئيس الوزراء سعد الحريري كان حاسماً بأنه لن يسمح بأن يتحول لبنان يونان ثانية. فأي انفاق يجب ان يترافق مع واردات مضمونة.

وأوضحت مصادر وزارية لـ”النهار” ان لا خوف على وضع الليرة اللبنانية اجمالاً لأن التغطية والاحتياط اللبناني بالدولار بلغا رقماً قياسياً، لكن اعطاء الزيادات من دون توفير واردات مقابلة يعرض سمعة لبنان المالية للخطر، وقد يعرضه لخفض تصنيفه المالي لدى المؤسسات الدولية، الأمر الذي ستكون له تداعيات خطرة.

وقد واصل مجلس الوزراء مناقشة قرار المجلس الدستوري، وسبل صياغة الضرائب بما يتلاءم والقرار، وخصوصاً في ما يتعلق بالمادتين 11 و17 المتعلقتين بالإشغال غير القانوني للأملاك العامة البحرية، والضريبة على المصارف.

وقع الكباش الدستوري بين مساريّن متناقضين طرحاً حلاً للمأزق المالي – الدستوري، وتحدثت مصادر وزارية عن اشتباك وصل الى حدّ الخلاف بين فريقي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب داخل الجلسة، تمثل في المواجهة التي حصلت بين وزيري العدل والمال. فوزير العدل سليم جريصاتي اقترح تضمين الضرائب الموازنة وتعليق المادة 87 من الدستور لمعالجة عقدة الحسابات المالية ونشر الموازنة. لكن وزير المال تمسّك برفض المسّ بالدستور واقترح أن تأتي الضرائب بمشروع قانون منفصل تحيله الحكومة على مجلس النواب، متسلحاً بالمادة 81 من الدستور التي تنصّ على أن “تفرض الضرائب العمومية ولا يجوز أحداث ضريبة ما وجبايتها في الجمهورية اللبنانية إلا بموجب قانون شامل تطبق أحكامه على جميع الأراضي اللبنانية دون إستثناء” من غير أن تحدّد ما اذا كانت في الموازنة أم لا.

وقال نائب رئيس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني لـ”النهار” ان تعليق المادة 87 من الدستور المتعلقة بقطع الحساب لا يمكن ان يتم الا بطلب من رئيس الجمهورية عبر مجلس الوزراء، ويرسله الأخير لاقراره في مجلس النواب. ورأى ان النقاش المستفيض في مجلس الوزراء لا يفيد في انتظار الاطلاع على نيّة الرئيس عون ورغبته في الأمر أو عدمها. وأكد حاصباني ان “السلسلة لن تتوقف ولكن هناك اصلاحات يجب اجراؤها كي لا نصل الى حائط مسدود، وتم تأجيل البحث في هذا الموضوع الى جلسة الخميس في قصر بعبدا. وأضاف ان السلسلة حق للموظفين، ولكن يجب تحصينها من خلال تأمين المداخيل المطلوبة لها بطريقة لا جدل قانونياً ودستورياً فيها، باعتبار ان الدفع الفوري من دون تأمين الموارد قانونا سيؤثر سلباً على تصنيف لبنان والوضع المالي بشكل عام.

ولفت إلى أهمية تضمين الضرائب الموازنة العامة، وذكر بأنه كان سبق لوزراء “القوات” ان طالبوا بذلك ضمن النقاش حول الموازنة، ولاحظ ان التمويل الدائم للسلسلة وتعزيزها ضمن الموازنة يشكل حصانة للوضع المالي، وأكد ان المطلوب دفع السلسلة وحماية الاستقرار النقدي.

في الشارع، استمرت الاضرابات والاعتصامات ودعت هيئة التنسيق النقابية الى الاضراب اليوم وغداً ونقل الاعتصام الخميس الى الطريق المؤدية الى القصر الجمهوري. أما نقابة معلمي المدارس الخاصة فاعلنت تعليق الاعتصام اليوم والعودة الى المدارس على ان تجتمع مجالس الفروع لاصدار قرار جديد وفق ما يتقرر في مجلس الوزراء من غير ان تنفي المضي في التصعيد اذا لم يتم التزام الدفع وفق السلسلة الجديدة، علماً ان مدارس خاصة كاثوليكية أبلغت معلميها ان “السلسة حق وانها ستباشر الدفع ابتداء من آخر تشرين الاول المقبل”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*